تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم . وكان يدعو إلى الاشتراكية أعني المساواة في الأموال، ويقيم أصحابه بعضهم لبعض موائد تسمى «البلغة»؛ ولذلك يطلق عليهم الفرنج شيعي العرب، ووضعوا كتبا في معتقدهم الديني لتعليم المريد. وكان للقرامطة تعاليم دينية مؤسسة على الاتصال بالله والوحي الخفي إلى زعمائهم، وكان من أفخمهم شخصيتان كبيرتان كان لهما أثر كبير في الإسلام. «الأول الحسين بن منصور الحلاج»، وهو فارسي الأصل وقد نشأ بواسط وصحب أبا القاسم الجنيد وغيره، وقال: بوحدة الوجود ومن الشعر المنسوب إليه على اصطلاح الصوفية وإشاراتهم.

أرسلت تسأل عني كيف كنت وما

لاقيت بعدك من هم ومن حزن؟

لا كنت إن كنت أدري كيف كنت

كنت إن كنت أدري كيف لم أكن

وهو من أصل مجوسي، وقد جرى منه كلام نحو ذلك أنكره عليه الفقهاء، فقال الحلاج: «ظهري حمى ودمي حرام، وما يحل لكم أن تتقولوا علي»، وقد حرر الفقهاء محضرا وقعوا عليه بحل قتله، ورفع إلى الخليفة المقتدر بالله. فوقع عليه، وإذا القضاة كانوا قد أفتوا بقتله، فليسلم إلى صاحب الشرطة، وليتقدم إليه بضربه ألف سوط، فإن مات من الضرب وإلا ضرب ألف سوط أخرى ثم يضرب عنقه، وقال لصاحب الشرطة: إن قال لك: أنا أجري الفرات ودجلة ذهبا وفضة، فلا تقبل ذلك منه ولا ترفع العقوبة عنه، فنفذوا فيه ذلك ونصبوا رأسه على الجسر ببغداد، وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه بعد أربعين يوما، وقد اختلف فيه الناس فمنهم من يبالغ في تعظيمه، ومنهم من يكفره، وقد دافع عنه الإمام الغزالي في كتابه الأنوار، وقال: إنه قال ما قال من فرط محبته وشدة وجده، وذكر بعضهم أنه هو والجنابي وابن المقفع تواصوا على قلب الدولة، والتعرض لإفساد المملكة واستعطاف القلوب واستمالتها إليهم، وارتاد كل واحد منهم قطرا، فأما الجنابي وهو داع من أكبر دعاة القرامطة، فذهب إلى الأحساء وأما ابن المقفع فسار إلى تخوم الأتراك، وأما الحلاج فذهب إلى بغداد، وقد نقد ابن خلكان هذا الخبر؛ لأن ابن المقفع تاريخه وتاريخهما، ورجح أن يكون الرجل الثالث هو أبو جعفر محمد بن علي الشلغماني - مع فرق الكتابة بين اللفظين - فقد أحدث مذهبا غاليا في التشيع والتناسخ، وحلول الله في الجسد على نحو ما فعل الحلاج ، وقد ذهب إلى بغداد وادعى فيها الربوبية، فقبض عليه الوزير ابن مقلة وادعى عليه أنه يقول: إنه «الباب إلى الإمام المنتظر، وعرض أمره على الفقهاء، فأفتوا بإباحة دمه فأحرق بالنار سنة 322ه، وشلمغان قرية بنواحي واسط، ويلاحظ هنا أنه استعمل كلمة الباب يقصد بذلك المدخل إلى المهدي، وهو اللفظ الذي استعمله البابية فيما بعد.

وعلى الجملة فقد قتل الحلاج بحكم الفقهاء، والذي يلاحظ في هذا العصر، والذي قبله الخلاف الشديد بين الفقهاء والمتصوفة فالمتصوفة يرمون الفقهاء بأنهم ظاهريون يتبعون الأشكال، ويحافظون على الشعائر التي تقام بواسطة الجوارح من غير نظر إلى روحها؛ ولذلك يفصلون القول في كيفية الوضوء وكيفية الصلاة وما إلى ذلك، والفقهاء يرمون المتصوفة بأنهم توسعوا في أمور الدين، وأفرطوا في المعاني والشطحات وما إلى ذلك، وجرب على ألسنتهم عبارات التناقض الدين، وربما كان أول من وفق بين الفقهاء والصوفية القشيري في رسالته ثم الغزالي؛ لأنه كان فقيها كبيرا ومتصوفا كبيرا معا، وبعد ذلك سموا الفقه شريعة التصوف حقيقة، ومدحوا من جمع بين الشريعة الحقيقة، ونقدوا من تمسك بالشريعة دون الحقيقة أو بالحقيقة دون الشريعة، وعلى الجملة فقد كان الحلاج أثرا من آثار القرامطة.

والاقتصاديون يعتبرون القرامطة حركة اقتصادية كبيرة ثارت على الظلم الذي ساد المجتمع في العصر العباسي، فجعل بعض الناس يعيشون عيشة بذخ وترف، وبعض الناس يعيشون عيشة بؤس وفقر، وقد حكي أن قريبا لهارون الرشيد كان دخله اليومي مائة ألف درهم، فتعلق به رجل فقير، وقال: هل من العدل أن تغل مائة ألف درهم في اليوم، وأنا لا أستطيع أن أحصل على نصف درهم في اليوم، وقد حكى لنا الخطيب البغدادي ما خلفه بعض الأغنياء من ثورة، فكان مبلغا يعجز عن الوصف كما يحكي غيره عن آخرين كانوا علماء فضلاء لا يجدون قوت يومهم، كالذي يحكى عن الخطيب التبريزي أنه كان يرحل من بلدة إلى أخرى ماشيا يحمل على ظهره خرجا فيه كتب، حتى لتتلف بعض كتبه من العرق الذي يخرج منه، وكالذي نقرءوه في كتاب الفلاكة والمفلوكين من فقر مدقع مع علم واسع وأخلاق فاضلة.

المهدي والمهدوية · الصفحة ١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المهدي والمهدويةص ١٠