وأيا ما كانت حركة القرامطة فقد كان مبعثها هذه الفروق بين الناس، ولكنها لم تكن اشتراكية كالتي وضعها كارل ماركس، لكنها كانت دعوة إلى الإصلاح المادي عن طريق روحاني من إيمان بالإمام وإيمان بالمهدي المنتظر؛ لأن الناس إذ ذاك كانوا لا يخلصون للثورة ولا يؤمنون بإصلاح إلا ما كان من قبل الدين، والذين يدعون إلى الهدوء كانوا يدعون أيضا من طريق الدين، فالله قسم الأرزاق وكتب في الأزل على الغني أنه غني وعلى الفقير أنه فقير، فكما أن نتيجة هذه التعاليم تدعو إلى الهدوء والطمأنينة، وحمد الله على الفقر كحمده على الغنى والقناعة بما قسم الله والرضى بالقليل مع الشكر، فكذلك الأخرى تدعو إلى الثورة وإصلاح الحال، وهذه الثورات على الدولة العباسية لنظامها الفاسد، وإنتاجه الغني الكبير والفقر الكبير تدعو كلها إلى تحقيق العدالة عن طريق المهدي المنتظر، ونجدها كلها تنتقد هذه الأحوال فنجدها في ثورة الزنج وثورة القرامطة، وثورة الحشاشين وما إلى ذلك.
ومن الغريب أننا لا نجد في التاريخ الإسلامي قيام مصلح دنيوي يرجع إلى العقل، فيطالب بإصلاح الفاسد والعدالة في توزيع الثروة؛ وذلك لأن الرأي العام في تلك العصور كان متأثرا بالدين أثرا كبيرا، فهو لا يخضع لدولة إلا إذا مزجت بالدين وهذا ما لاحظه ابن خلدون في العرب، إذ قال: «إنهم لا يخضعون ولا يقادون إلا لرسالة دينية أو نحوها، وكان كالعرب الأمم الأخرى التي خضعت لحكمهم وآمنت بتقاليدهم وسارت على منوالهم.»
والشخصية الثانية: من أثر القرامطة أبو الطيب المتنبي، فقد كان متأثرا بآثارهم وولد في ظلهم وتحت سلطانهم، وكان في الرابعة عشرة من عمره تقريبا يوم ثار القرامطة، وقد اصطبغ بصبغتهم وتعلم علمهم. فقد حدثونا أنه تعلم أول أمره في مكتب من مكاتب العلويين، ولا شك أنه تلقى في هذا المكتب تعاليم الشيعة أول ما تعلم، ومن هؤلاء الشيعة كانت القرامطة، ثم خرج إلى البادية، ونظن أنه اتصل بداع من دعاة العلويين، وأكمل عليه تعاليمه وهذا كله يفسر النزعة السفاحة التي عند المتنبي حتى من صغره. فهو يقول في مطلع شعره:
لا تحسن الوفرة حتى ترى
منشورة الضفرين يوم القتال
على فتى معتقل صعدة
يعلها من كل دافي السبال
ثم هو إذا شدا وقعت في قصائده هذه النزعة الروحية، التي كان يقول بها الشيعة، فمثلا يقول:
يا أيها الملك المصفى جوهرا
من ذلك الملكوت أسمى من سما
نور تظاهر فيك لاهوته
فتكاد تعلم علم ما لم تعلما
ويهيم فيك إذا نطقت فصاحة
من كل عضو منك أن يتكلما
أنا مبصر وأظن أني نائم
من كان يحلم بالإله فاحلما
كبر العيان علي حتى إنه
صار اليقين من العيان توهما
فهي من نوع غير معروف عند الشعراء الآخرين.
وهذا يفسر أيضا هلوسة المتنبي في دعواه النبوة، ومن أجل ذلك سمي بالمتنبي، وطموحه طول عمره إلى أن ينال ولاية أو ملكا، وغضبه على كافور إذ لم ينله ولاية، ونظن أنه لو نالها لقرمطها وقلبها ولاية شيعية حسب تعاليمه، ونرى ديوانه مملوءا بالقوة والدعوة إلى الثورة والاعتداد بالشجاعة، وهذا هو السبب في أنه فضل سيف الدولة ابن حمدان على كافور الإخشيدي؛ لأن الأول بطل في الحروب الداخلية مع الأعراب والخارجية مع الصليبيين، بل كان المتنبي نفسه يخرج مع سيف الدولة محاربا، وأما كافور الإخشيدي فقد عرف السياسة والمكر والدهاء لا بالفتك في الحروب؛ ولذلك أيضا كان أحب شخص إليه لما جاء مصر فاتكا الرومي لشجاعته النادرة، حتى سموه مجنونا، وقد بكى عليه كثيرا ورثاه في ديوانه في ثلاث قصائد مما لم يفعل مع غيره، وقد أعلى شأنه بمقدار ما حط من شأن كافور، ويستطيع القارئ الدقيق لديوانه بعد هذه النظرة أن يرى فيه تشيعا كثيرا وقرمطة كثيرة مثل:
يا عاذل العاشقين دع فئة
أضلها الله كيف ترشدها