تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على كل حال كانت دولة الفاطميين ودولة الموحدين دولتين شيعيتين تدينان بفكرة المهدي، وتعاقبت بعد ذلك على مدى الأزمان فكرة المهدي هذا تظهر من حين إلى حين.

ومن غريب الأمر أن المنصور بن أبي عامر الحاجب لما تغلب على الأمويين، وحل محلهم حكم البلاد حكما طيبا، وقاتل أعداء الإسلام شديدا ...

ولما مات خلفه ابناه أحدهما اسمه عبد الرحمن، فتلقب بالمهدي، ولكن خرج عليه محمد بن هشام الأموي وتلقب بالمهدي أيضا، فكان مهدي يحارب مهديا، وقد أسرف محمد بن هشام هذا في قتل الخصوم حتى اتخذ من رءوسهم أصصا يغرس فيها النباتات على اختلافها، وكان يعتق النبيذ في قصره، ويشربه حتى سموه نباذا.

ولما ذهب الموحدون والمرابطون وانتصر الأسبانيون على المسلمين، ولم يبق للمسلمين إلا بقعة صغيرة في الأندلس كان ملوك بني الأحمر يتطلعون إلى مهدي منتظر يقويهم على الأسبان، ويطردهم منها لما عجزوا أنفسهم عن طردهم.

وبتوالي الأزمان كثرت الأحاديث عن المهدية والمهدي. ومن قديم رأى الناس نجاح هذه الفكرة. فالأمويون اخترعوا مهديا اسمه السفياني، وقال صاحب الأغاني: «إن خالد بن يزيد بن معاوية زاد في أخبار السفياني وكبره»، وكان فيه معنى المهدي المنتظر، وبقيت هذه العقيدة في السفياني على الدولة العباسية. والعباسيون أحبوا فكرة المهدي أيضا، ولكن جعلوها في البيت العباسي لا العلوي.

فتلقب الخليفة المهدي بهذا اللقب لهذا الغرض، أما الشيعة فقد اعتنقوا أيضا هذه الفكرة وقصروها على البيت العلوي.

وكانت هذه العقيدة أساسا من أسس الشيعة لا يتم التشيع إلا بها. أما عند أهل السنة فقد آمنوا بها أيضا، ولكن لا بهذه القوة التي عند الشيعة. ووضع كل الأحاديث في تأييد المهدي المنتظر. ومما يشهد بالفخار للبخاري ومسلم أنهما لم تتسرب إليهما هذه الأحاديث. وإن تسربت إلى غيرهما من الكتب التي لم تبلغ صحتهما. وذلك مثل ما وضع تملقا للدولة العباسية أن الهدي يخرج هو وأصحابه من خراسان حاملين الرايات السود، وهذا ينطبق على العباسيين دون غيرهم، وفي كل زمان يظهر مهدي تظهر أحاديث جديدة تنطبق على هؤلاء الثائرين. وقد أحصى ابن حجر الأحاديث المروية في المهدي، فوجدها نحو الخمسين وقال: إنها لم تثبت صحتها عنده.

وكما لعبت فكرة المهدي والتشيع في الغرب لعبت كذلك مثلها أو أكثر منها في الشرق. فكل حين نرى ثورة عظيمة شبت ودامت سنين، ومن ذلك ثورة الزنج في العراق. نشأت من ظلم الحكام والطموح إلى العدل. وقد ظهرت هذه الثورة على يد العبيد في البصرة، وأصلهم من زنوج أفريقيا. كانوا يعملون لمتعهد بالسباخ قرب البصرة وكان هذا السباخ أكواما عظيمة. فظهر رجل فارسي اسمه علي وقد نجح في بيان الظلم الواقع على هؤلاء العمال، وأبان لهم أن مصيبتهم ناشئة من الولاة العباسيين، فوعدهم بتحسين حالهم وضمان حريتهم، وترف عيشهم. فثاروا واستولوا على البصرة وضواحيها وبنى بلدة جديدة باللبن وسماها المختارة ... ولعله اختار هذا الاسم إيماء إلى المختار الثقفي، الذي اخترع فكرة المهدي الجديدة، وانضم البدو الذين كانوا مجاورين للزنوج إليهم، وقد نهبوا البصرة وهجموا على المسلمين أثناء صلاة الجمعة، وقتلوا ممن في المسجد ومن أهل البصرة نحو ثلاثمائة ألف، وانتدب الخليفة العباسي أخاه لتهدئة هذه الثورة التي دامت سنين، وجعلت البلاد في خطر.

| القرامطة

ولم تكن ثورة القرامطة بأهل من هذه شأنا. وهي أيضا فتنة شيعية مهدوية. فقد رأينا على حين غفلة أن قد شاع في الناس أن العالم الإسلامي غارق في الجهل والظلم، وأن لا سبيل إلى الخلاص من هذه المظالم إلا بمهدي يملأ الأرض عدلا ورحمة. فظهرت فرقة القرامطة في العراق وعلى رأسها رجل يسمى حمدان قرمط، ويقال: إن معنى قرمط باللسان الآرامي «المعلم السري» والعرب يقولون: إنها مشتقة من القرمط بمعنى القصير. وإليه تنسب الفرقة وقد ظهرت في العراق أول الأمر. وبنى حمدان هذا دارا تسمى دار الهجرة تمثلا بالنبي

المهدي والمهدوية · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المهدي والمهدويةص ٩