عند ذلك أرسل إليه هرقل وقال له : قد بلوتك بالضراء والسراء فصبرت ، فهل لك أن تُقَبِّلَ رأسي وتنجو بنفسك؟ قال : لا ، لا أقبّل رأسك لأنجو بنفسي فقط . فقال له : فهل لك أن تقبّل رأسي وأدفع لك كل أسير من المسلمين عندي؟ قال : نعم . وفي رواية أنه راوده قبل ذلك على أن يترك الإسلام ويدخل في دينه ، فيزوجه بنته ويجعله من خاصته ولكنه رفض ذلك رفضاً قاطعاً . وقبّل عبد الله بن حذافة رضي الله تعالى عنه رأسَ هرقل ، ودفع إليه هرقل جميع أسارى المسلمين الذين عنده ( وكانوا ثمانين رجلاً ) فعاد بهم إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، وعندما قصّ القصة على عمر قام وقبل رأسه وقال له : يرحمك الله ، ما منعك إذ بلغَ بك الجهدُ ما بلغ أن تأكل لحم الخنزير وأن تشرب الخمر ، فقال : والله يا أمير المؤمنين ، لقد علمتُ أن ذلك موسوعاً لي ولكنني كرهتُ أن يشمتَ الرومُ وهرقلُ بالإسلام وأهله (1) . رحم الله تعالى عبد الله بن حذافة رضي الله تعالى عنه رحمةً واسعة فقد ضَرَب مَثَل المسلم الحق كما أراده النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )) ، أين هذا المبدأ من مبدأ الأنانية والغرور الذي ضربه ملك فرنسا لويس الخامس عشر عندما قال : أبقى أنا ما بقيت ، وبعدي يكون الطوفان ، وكان مِنْ بعده الطوفان ، فَقُطِع رأس خليفته من بعده لويس السادس عشر بالمقصلة على أيدي رجال الثورة الفرنسية . أما مبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من نتيجته إنشاء أمة هي خير أمة أخرجت للناس ، أفلا نتعظ ونعتبر (2) .
91 ـ موقف عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما والخوارج (3) :
(1) 1 ـ كتاب المحن 387 .
(2) 2 ـ من مواقف عظماء المسلمين ، د. عبد الرزاق الكيلاني ص21 .
(3) 3 ـ رجال حول الرسول صلى الله عليه وسلم لخالد محمد خالد ، طبعة دار الفكر ، ص574 .