تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

((حسبي الله)) عندها تلقى الأحمال، وعلى عتباتها تذهب الهموم، وبنورها تنقشع ظلمات الباطل وسطوته وإرهابه.

((حسبي الله)) هي قذيفة المؤمن التي لا تخطئ، وهي رصاصته التي لا تخيب، كما أنها مهاده الذي يركن إليه.

﴿وقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾

كلمات توزعت على دعوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضها في الخندق، وكان إذا أهمه أمر قال: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم"، فهي سلاح يعالج ما يطرأ من الخارج، وسلاح ما يرد من هموم الداخل، فالحمد لله رب العالمين.

هنا أضع القلم لأختم هذه الورقات التي أردتها على أمر، فجاءت على أمر لم أتوقعه، قلت فيها كلمات لم أزينها في نفسي قط وهي الأكثر، وما أردت أن أقوله عندما شرعت في الكتابة هو القليل مما كتبته فيها، وكنت كلما انتقلت من آية إلى أخرى أحس أني تركت الكثير من المعاني التي تلوح لي فيعجز القلم عن وصفها، ومرات كان العجز يأتي من خوف أن يتضخم الكتاب أكثر مما هو عليه، لأني أعلم حال الناس اليوم من القراءة والصبر عليها، وأنا مع قضية العصر التي هي كما قال علي رضي الله عنه ((العلم نقطة صغيرة كبرها أهل الجهل)) فاضطر المرء أن يلاحق ما يقولون.

لقد أردت أن أرفع آيات القرآن مرايا لهذا الواقع، ليدخل كل العالم فيها، وليبصر الناس منازلهم من هذه الآيات، وقد كان يلوح في ذهني وأنا أكتب أن الذين أعنيهم إنما هم فئة الإيمان المجاهدة، فهم قصدي أولاً من هذه الورقات، وكنت في مضايق عدة أتصور أن من جهل الحق من مخالفيهم هم أمامي، لعلهم يهتدون برفع هذه المرايا في وجوههم، وقد كتبت هذا الكتاب، ورافقني به قصة قصيرة أقولها لإخواني:-

لقد بدأت بمقدمة الكتاب وأنا بين أهلي عندما أطلق سراحي من بعد ست سنوات سجيناً في سجون المجرمة بريطانيا، وخلال أسبوع كامل وأنا مع أهلي لم أستطع أن أكتب من المقدمة ثلاث ورقات من القطع الكبير، مع أن محاولاتي تتم كل يوم، دون جدوى، هذا مع سابق ظني أني سأسير فيه سير واضحاً في ذهني، ولكن لم يتم لي شيء من ذلك، فجأة وبلا مقدمات هجمت الشرطة البريطانية واقتادتني إلى السجن من جديد، في أجواء أشد قسوة من كل ما عاينته في السنوات الماضية، وقد أخذت معي الورقات التي كتبتها، وبعض الورقات البيضاء، ظاناً أن الكتابة لن تكون طويلة، وما أن وضعت في الزنزانة وحيداً، إذ لا يوجد فيها إلا العلم والورقات البيضاء، ظاناً أن الكتابة لن تكون طويلة، وما أن وضعت في الزنزانة وحيداً، إذا لا يوجد فيها إلا القلم والورقات البيضاء والقرآن الكريم حتى شرعت بالكتابة، وعجبت كيف يسير القلم، فما كنت أعصره بمشقة، يأتيني الآن هنا الهوينا، وفرحت فرحاً شديداً، حتى إني أخذت أوراقاً بيضاء معي إلى المحكمة من الزنزانة لحرصي أن لا تضيع هذه الأجواء مني، وبالفعل كتبت بعض الورقات عندما كنت أُرَدُّ من قاعة المحكمة إلى الزنزانة الإنفرادية خلال فترة الإستراحة، ولا أعلم يوماً فاتتني الكتابة فيه منذ أول يوم لسجني إلى هذا الوقت الذي أكتب فيه هذه الكلمات إلا يومين أو ثلاثة لأسباب تتعلق بترحيلي من سجن إلى آخر، أو من حالة إلى أخرى، فها أنا الآن أكتب هذه الكلمات من تفسير آخر آيتين من براءة في سجن إنفرادي، لا أرى فيه أحداً خلال اليوم إلا سجاني عندما يقدم الطعام، إذ أخذت إليه عقوبة لأني قلت لمسؤول في السجن الأول:- هذه حرب، وأنتم ستخسرون.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٥٢