إنكم مع غير سنته وسيرته وحياته وشريعته ستدفعون الكثير مما خفتم منه حين هربتم من حياته وطريقته، لكن شتان بين ما تلاقونه وأنتم أعزة كرماء، وبين ما تدفعونه وأنتم أذلة مخزيين.
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهاده وحياته وغزواته أنتم خير الأمم، وأعز الأمم، وقادة الأمم، فإن توليتم فلن تجدوا إلا الهوان والضياع، ولن تكونوا إلا غثاءً كغثاء السيل.
إنكم إن خضتم ما خاض من الحياة ستصلون إلى ما أراده منكم، وما أحبه لكم، وما وعدكم الله تعالى، وإلا فما أنتم إلا هباء وغثاء، وقصعة يتناوشها اللئام فلا تستطيعون لهم دفعاً.
﴿فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾
هذه لقلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي لقلب كل رجل يدعو الناس لطريقته وحياته وسنته فيعرض الناس عن دعوته، ويصيرون إلى غيرها.
فقل حسبي الله: لأنه الكافي لعبده في كل حين، ولأن الذي يعرض إنما يعرض عن فضل يحتاجه هو، والله هو الغني الحميد.
((حسبي الله)) هي حصد المؤمن في الملمات، يقولها حين تفرغ يده من كل شيء، فيتوجه بقلبه إلى مولاه الذي بيده كل شيء، فينجيه ويمد له يد النصر والتأييد والرحمة.
قالها ابراهيم الخليل عليه السلام حين ألقي في النار فقال الله للنار: ((كوني برداً وسلاماً على ابراهيم))،وقالها ابنه محمد صلى الله عليه وسلم حين قال له الناس: ((إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)) فكان لهم ما طلبوه ((فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء))
هذه كلمات الله التي تتفجر من قلوب الصالحين لتعلن أنها بالله ولله وفي الله، لأنها كلمات الحقائق والمعاني لا كلمات الشعارات.
يعلمها الله لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم أن الناس إن أعرضوا عن نصرتك فإن الله حسبك، وإن عاداك كل أهل الأرض فإن الله كافيك، وأما إن جاء معك المؤمنون فإنك وإياهم تقولون ما قال الله لك قبل:- ((يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين)) ذلك بأن الله حسبك وحسبهم في نصرتك وتأييدكم.
((حسبي الله)) سلاح الصابرين والثابتين على الطريق، وعدة السالكين في طريق الحبيب المصطفى، حين يعرض عنهم الناس، ويخلون بينهم وبين أعدائهم.
((حسبي الله)) يقولها هؤلاء ليعلنوا أنهم حين قاموا مجاهدين في سبيل الله فإنهم لم يطلبوا نصر قوة أرضيّة، ولا توكلوا على عقار مادي، ولا على كثرة عدد، بل توكلوا على الله لأنه حسبهم وحده جل في علاه.
((حسبي الله)) يقولونها لأنهم يؤمنون بقوله سبحانه ((أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فماله من هاد ومن يهد الله فماله من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام)).
((حسبي الله)) لأنه لا إله إلا هو، إذ كل الآلهة التي يطلبون مددها هي كما قال الله تعالى ((يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب، ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز)).