تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون﴾

هناك فقه تدعونا له هذه الآية، وهي كيف تزيدنا آيات القرآن إيماناً، أي كيف تزيدنا علماً وعملاً، فآيات القرآن هي باب الايمان، والذين استقبلوها أولاً وزادتهم ايماناً وهم يستبشرون هم أصحاب النهج الرباني في التعامل مع هذه الآيات، لأن هناك من يقرأ القرآن ثم ينهج فيه نهج الضلالة والبدعة، فلا تكون له الآيات القرآنية إلا رجساً على قلبه كما قال تعالى ((وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم))،فالواجب أن نأخذ القرآن على وجه واحد من العمل حتى تحصل لنا هدايته، ألا وهو منهج المهتدين الأوائل، وكل زعم أن هناك مناهج لفهم القرآن على غير هذا السبيل إنما هي مزاعم باطلة لتحريف آياته وتأويله على غير مراد متكلمه رب العالمين.

نعم هناك علوم يطلبها العلماء اليوم من القرآن لإثبات صدقه وربانيته، وأنه كلام علام الغيوب، وهي علوم صحيحة تفيد أهل الايمان، وتزيد حجج الله على المخالفين له، لكن لا شك أن مقصد القرآن أعظم من ذلك بالنسبة للمؤمنين، اذ أن مقصده هو بيان المنهج السديد، والطريق الصحيح الموافق للسنن في احياء الأمة واعادة بعثها، وهذه غير الأحكام الشرعية التي تحتاجها الأمة في حياتها الاقتصادية والسياسية بله حياتها النسكية والتعبدية، لأن هذه تتعلق بطريقة احياء الامة، وبعثها من جديد، فهي تعطيهم قوام الصفات التي يجب عليهم أن يتحلوا بها، وترشدهم إلى منهج النبي صلى الله عليه وسلم في نوع الحياة التي عاشها وعاشها الأنبياء من قبله، ومع هذا الارشاد فإنها تكشف عوائق الطريق وصفاته وما سيلاقيه السالكون فيه، فإن وقع لهم ذلك كانوا أتباع صدق لمن مضوا، أما الذين يبحثون عن الطرق التي تتخفف من هذه العوائق واللوازم فهؤلاء قطعاً سيصلون إلى غير منهج النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحياة، ولذلك يجب ترتيب الأمر على وجه صحيح، وهو تلازم هذا المنهج مع البلاء، وهذا يلزم تابعه أن يربى على العبودية الكاملة لله وعلى حب الدار الآخرة، فإن وقع هذا فإن السالكين هم أهل الوراثة حقاً، وهم السائرون على منهج الأوائل، ومن غير هذا فإن كل ما يقال بعد ذلك هو مجرد صور وهياكل لاسم الاسلام واسم المسلمين، لكن بلا روح ولا فاعلية ولا وراثة، إنما خَبط في التيه والانحراف ولا مخرج.

﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم﴾

إن رحلة الجهاد التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الحياة التي استنها لأمته من بعده، مع ما فيها من البلاء والنصب، والجوع والعطش، والخوف والارهاق، والسهر والعنت إلا أنها رحلة رجل عظيم، وهو بأمته رؤوف رحيم.

هذا الرسول العظيم وهو يقود أصحابه من غزوة إلى غزوة، ومن بعث إلى بعث، ومن رحلة إلى رحلة، هو في كل هذا عزيز عليه ما عنتم، اذ أنّه صلى الله عليه وسلم لا يرضى العنت والتعب لأمته.

إنه في كل هذا رؤوف رحيم بكم، لأن هذه السيرة العظيمة هي سيرة الرحمة، وسيرة الرأفة مهما بدت لكم شاقة وتعبة، لأن غيرها سيكون فيه كل هذه الآلام والمتاعب، وستصابون فيها بكل المشقات والأهوال، لكنها آلام ومتاعب الذل والخزي والعار.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٥٠