الملايين، بل عشرات الملايين من المسلمين، حتى صارت قراءة القرآن في السراديب اسراراً، ولم يقل واحد منهم: ماتت الأمة فلا جهاد.
أنا أعلم أن الخطاب العلمي حين يدب الخور والجبن في النفوس لا ينفع، وكذلك أعلم أن الخطاب العلمي لا ينفع المجنون، ولا يهتدي به صاحب الهوى، لكن أقول هذا- وهو بعض ما يمكن للمرء أن يقوله وهو يعلمه- لعل من فيه بقية من خير يرعوي ويهتدي.
لنعد إلى القرآن وإلى سوره وإلى آياته كلها، ولنقرؤه كما قرأه الصحابة رضي الله عنهم، حينها سنجتمع جميعاً تحت سقف واحد، وسيعلم الناس يومها أن من يقول:- إن الزمان اليوم يختلف عن زمن الصحابة أنه منافق، ومثله من يقول: القرآن نعم لكن لا بدّ من شيء آخر، ومثله من يبعد النجعة ويعقد الأمور حتى يجعل الهداية والاستبصار حكراً على خواص مترفين يخافون كل هيعة تضيع عليهم مناصبهم ومكتسباتهم الدنيوية.
أنا أعلم أن البعض سيقول:- إنك تشير بأصبعك إلى جهة ما أنهم أهل القرآن، وأنهم أهل الحق، فأقول:- نعم، وهم المجاهدون ما داموا مجاهدين، وهم المبتلون في سبيل الله، وهم الذين يقتلون ويقتلون، وهم الغرباء والنزاع من القبائل، بهم تتحقق آيات الله، وبهم تتجدد غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبهم يقيم الله حجته على الخلق؛ مسلمهم وكافرهم، وبهم تصنع حوادث الوجود ليصير الناس إلى منازلهم الايمانية أو الكفرية أو منازل المنافقين، وحين تتأمل غيرهم فإنك لا تجد شيئاً من ذلك، فمن أهل القرآن إذاً يا عبد الله؟!
اصدق الله في الجواب، وقل لنفسك: من الذي يجعل آيات الله حبه في هذا الزمان كما هو في كل زمان؟ أهؤلاء الذين انتهى أمرهم إلى تجار أوراق يسب بعضهم بعضاً على غنائمها، ويتحاكم كبراؤهم إلى الطواغيت للفصل بينهم على حقوق الورق؟
أم هؤلاء الذين جعلوا الجهاد ورقة توضع في الصناديق الشركية، فأسكنوا الناس والأمة أن هذا هو عماد ما يطلب منهم لتغيير الواقع، ثم انتهى بهم الأمر إلى هروب البعض إلى أعدائهم عندما عرضت عليه وزارة أو غنيمة دنيوية، ثم انتهى بمنهجهم أن دخلوا في طوائف الكفر يحاربون المجاهدين ويقاتلونهم؟ أم هؤلاء الذين جلسوا على شاطئ الحياة ينقدون كل عامل تحت دعوى الفكر والتفكير، فانتهوا إلى متكلمين لهم ألسنة دون ارادات عمل؟!
أم إن الأسلم والأصح والأعقل هو ترك شأن الأمة كلها ليفرغ كل واحد إلى دنياه، ومنهم طلبة العلم، حتى يصيرون كغيرهم في سلك الوظائف الدنيوية، يؤمون في المساجد، ويخطبون الجمع في وجوب تنظيف الشوارع، ووجوب التقيد بقوانين السير المأمور بها، فإن زادوا شيئاً تكلموا عن حرمة الرشوة، ثم يختمون كلامهم بالدعاء أن يصلح الله "الراعي" بعد أن ينصره الله على أعدائه!!؟
لنعد إلى القرآن كله لنرى من هم الذين بهم تتحقق الآيات، فينقسم الناس حين يعملون إلى صابر مبتلى، وشهيد مقبول، ومنتظر لم يبدل، ومهاجر ساع إلى مواطن الحياة.
لنعد إلى القرآن كله حتى نجيب شاباً يسألنا:- أريد الشهادة فأين أذهب من المواطن والقادة والفئات.
لنعد إلى القرآن كله حتى نجيب سائلاً:- أريد أجر الجهاد الذي أقرأه في سورة التوبة فأين أسير.
لنعد إلى القرآن كله لنصدق مع الله ومع القرآن ومع أنفسنا.