والذلة، وهذا جد خطأ، لأن الأمر في القرآن واضح جلي، أما ما تحتاجه الأمة من عقل خاص فإن متعلقه في ادارة هذا الأمر القرآني الواضح.
إن طريق الأمة هو الجهاد في سبيل الله تعالى، لا شيء سواه، وقد حضرت موجباته الشرعية لكل صاحب بصيرة، لكن الشاق في الأمر هو ادارة هذا الجهاد، وكيفية تحقيقه في الواقع، وكيف ننظر إلى الأمة الاسلامية في هذا الوقت شيئاً واحداً، وكيف نتخلى عن بقايا الجاهلية من نفوسنا ونحن نتعامل مع القرآن، وكذلك ونحن نتعامل مع المسلمين الفقراء والمستضعفين والذين هم في الهوامش من سلطان الجاهلية.
القادة الكبار، وأمناء الأمم في بعث أممهم كان فيهم بساطة في الشعار، لكن كانت عظمتهم في الادارة والتفاعل مع الواقع، ولما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما جاء بأمور جلية واضحة، وبقي هذا الوضوح في كل مراتب حياته، لكنه صلى الله عليه وسلم أدار معركة الاسلام مع خصومه على وجهه سنني عظيم، وقد وقع له ما وقع لكل عامل في ظرفه من الابتلاء والامتحان، ولو حاولتَ جمع عدد قتلى المسلمين في الغزوات والسرايا والبعوث وقارنتها بما وقع لقريش لوجدت أن قتلى المسلمين كان أكثر، لكن صواب الدعوة أولاً، وثبات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثانياً هو الذي أوصلهم إلى مستقرهم من الفتح العظيم، ولقد ابتليت الأمة كثيراً في تاريخها حتى وقع فيها من الأمور ما ظن البعض أنها النهاية، فقامت على سوق واحدة ونهج واضح هو الجهاد في سبيل الله، وكان تحته ومن خلاله، وقبله وبعده حركات احياء دينية تنقي العقيدة من شوائبها، والعبادات من بدعها، والعقول من اوهامها، والأخلاق من مفاسدها، لكن مع ذلك كله كان الغطاء الجامع لذلك كله، وهو معه، ومصاحب له إنما هو الجهاد في سبيل الله تعالى، يقودهم فيه أبناء لهذا الدين أفذاذ عظماء، يسير العلماء في ركابهم لا منفصلين عنهم، ولا داعين لهم بالجلوس حتى ينتهوا من اعداد الأمة علمياً وتربوياً كما يريد البعض، فكانت عبقرية الأمة وعبقرية قادتها في ادارة الجهاد، اذ لكل واقع ظروفه من الموانع التي تعيق حركة الاحياء والبعث والهداية، واليوم لنا ظروف بعضها يشبه ما فات من الحوادث، وبضعها له خصوصية، فإن أراد أحدهم بعث الأمة فليسلك فيها هذا السبيل، أي أن يكون قائداً لها في هذا الباب دون غيره، أي باب الجهاد، وأما الأمور الأخرى، سواء كانت العلمية والاصلاحية، أو الخيرية الاجتماعية فكلها خير وهي تحفظ الكثير من الخير في أفراد الأمة، لكنها لم تكن هذه قط سبب انقلاب الأمة من الهزيمة إلى النصر، ومن الغياب إلى الشهود، ومن الذلة إلى العزة، فهذه أمة مسلمة، غشي اسلامها جهالات، ووقع فيها معاصي وآثام عامة تتعلق بمجموعها، فما على الجميع إلا أن يدفعوها إلى باب عزتها، فإن قام قائم - وقد حصل بفضل الله تعالى في ظروف متعددة- يقودها للجهاد وجب على الجميع مآزرته ودعمه وتقويته، لا كما يصنع الجاهلون من دعاة الاصلاح وأعمال الخير في زماننا من ظنهم أن هذا يفسد عليهم عملهم، أو يدفعهم دافع الحسد لعداوته والتنفير منه، لأن هؤلاء لو عقلوا لعلموا أن عملهم يجب أن يكون رديفاً للأصل في العمل الذي يحقق أهداف القرآن، لا أن يجعلوا الفرع بديلاً وأصلاً، والقاعدة الأصولية تقول:- "إذا عاد الفرع على الأصل بالإبطال بطل".
أما الذين انتهجوا سبل الضلالة، وأخذوا سنن المشركين في اصلاح الواقع فإن فسادهم أعظم من أي نفع يحققونه، ولو تفكر المرء بهم لوجد أنهم يكرسون الباطل ولا يهدمونه، ويضلون المهتدين ولا يأخذونهم للحق، وإذا كانت بعض البدع لا يُعرف ضررها في بدايتها، فإن ضلال هؤلاء قد وصل إلى منتهاه، اذ كان في بدايتهم شعار الجهاد لا حلاً للمشكلة، ولا بديلاً عن الباطل، بل هو شعار يتماهى مع الواقع، ويستخدم كفرع في داخل الجاهلية، ثم سار هذا الشعار إلى زاوية