تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يتوبون من قريب ولا هم يذكرون، وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون}

شأن المنافقين مع آيات الله له وجهان؛ الأول هو الإنكار القلبي، والثاني هو الهروب من تكاليفها، وشأن المؤمنين مع آيات الله هو الايمان بها، فدل هذا أن الايمان اقرار وقول وعمل، لأن مقابل ما يفعله المنافقون هو عمل المؤمنين، ثمّ إن في هذه الآيات دليل على أن الآيات الكونية مهما كانت من الابتلاء والعذاب للكافرين، أو النصر والتأييد للمؤمنين لا تنفع المنافقين والكافرين في التوبة والذكرى والإنابة، بل إن العظة إن لم تقع بالقرآن، وإن لم تكن هداية القلوب من خلاله فإن الوقائع والتاريخ ليست نافعة للناس المعرضين، ويشهد لهذا قوله تعالى ((فما تغن الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون)).

لقد سارت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم متهادية في الصعاب والابتلاءات، وتصاعدت قدماً إلى النّصر الدال على رعاية الله لهذه السيرة، وهو من أكبر الأدلة على صدق نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان في هذه المسيرة ابتلاءات تقع على معاني متعددة لأهل المدينة، فالمؤمنين يبتلون بالجهاد والصبر فينتصرون، والمنافقون يبتلون بالخوف والجبن فيكشف الله أمرهم وسترهم، ومع نهاية مطاف هذه السيرة التي تحقق فيها النصر والغلبة على الجزيرة العربية، ثم انطلق بعدها لقتال أهل الكتاب فإن النفاق بقي مكانه، لأن مشكلته الكبرى هي مع آيات الله تعالى، فهي المحطة الأولى للمؤمنين في هدايتهم، وهي المحطة الأولى للمنافقين في ضلالهم وتكذيبهم.

المجاهدون في مسيرتهم قد يحققون النصر، وقد يقع عليهم البلاء، لكن لن يكون في واحد منهما الاعتبار لخصوم المجاهدين، فقد يلحق الكفار بالاسلام خلال هذه المسيرة، لكن للمنافقين موقف آخر، لأنّ ضلالهم متعلق بعدم التسليم لآيات الله، وعدم الخضوع لأمرها، وعدم الاهتداء بنورها.

البداية من كتاب الله تعالى، ومن آياته، ومن التسليم لأمره، ومن الفقه به، اما القائلون: اذهبوا فإن ثبت صدق سبيلكم بالنصر التحقنا بكم، فإن هؤلاء أبعد الناس عن الايمان في نهاية المسيرة كما هم أبعد الناس عنها قبل المسيرة، كما هو شأن المنافقين زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن موقفهم من الآيات هو الذي أورثهم النفاق، وبقي فيها إلى يوم يلقونه، وأما ما وقع من النصر والتأييد، والابتلاءات والمحن التي انجلت بهذه الخاتمة من الفراغ من الجزيرة العربية إلى خارجها فإنها لم تغير مواقفهم في شيء.

هذه دعوة للعودة إلى القرآن، فإننا في زمان اختلطت فيه الدعوات والأفكار والمذاهب، بعضها فيه نفاق، بناها أصحابها مهادنة الباطل مخافة التكاليف، وحفاظاً لمصالحهم الدنيوية من الذهاب، وبعضها فيه جهل بالقرآن والسنن النبوية وسنن الحياة، فإذا أراد الناس الهداية وتحقيق الشعار الذي يزعمه الجميع: "العودة للكتاب والسنة" فإن الواجب أن نفتح هذا القرآن جميعه، ونعيه على الوجه الذي وعيه وفهمه الصحابة رضي الله عنهم، فمن هنا نبدأ، وأي تجاوز لهذا الأمر استعجالاً للأهداف، أو انشغالاً بما ينشغل الناس به يعني شيئاً واحداً هو الباطل، أي عدم تحقيق أهداف الاسلام العظمى، وسنقدم في كل حلقة نخوضها الدماء والعرق والجهود ولن نجني شيئاً لأن الله يقول ((إن الله لا يصلح عمل المفسدين))،وهذه الأمة كتب الله لها أن لا تهتدي إلا بهذا الكتاب العزيز، فلا مخرج لها إلا به، ولا تحقيق لأهدافها إلا على نوره وهداه، فيجب عليها أن تسلم كلها له، لا بعضها، ويجب أن تسلم له كله لا بعضه، والأمر ليس شاقاً على العقول، وإن كان صعباً على النفوس، فالذين يرون أن الأمة تحتاج إلى عقل خاص لتخرج مما هي فيه يخطؤون في جانب ويصيبون في آخر، أما الذي يخطؤون فيه فهو ظنهم أن القرآن شاق عسير في كشف طريق المخرج من الهوان

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٤٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٤٦