تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمر بالإغلاظ عليهم، لأن ضررهم أشد، ولأن كونهم محاربين، مع قربهم يعني شراً زائداً في قلوبه، وسوءاً أعظم من غيرهم.

أما الظاهر فهو التخفيف عن المؤمنين في عدم وجوب مواجهة الكافرين أجمعين، فإن كان من خيار للمجاهدين فليبدؤوا بالأقرب، والنص في عرف الأصوليين أقوى من الظاهر، وعدم فقه البعض لهذا الأمر ظن أن مواجهة الأبعد لسبب من الأسباب إثم لمخالفة القائم بالآية، وهذا جهل في لغة القرآن وفقهه، ثمّ هو جهل بواقع الأمر كما تقدم إذ أوجب واقعاً متخيلاً غير حقيقي بوجود عدو قريب وعدو بعيد مع أن الواقع يدل على عدم وجود هذا الفصل، مع جهل آخر وهو عدم فقه قدرية الجهاد والدعوة.

الآية القرآنية لا تفيد بنصها ولا بظاهرها قتال الأقرب قبل الأبعد وجوباً، لأن إيجاب قتال الأقرب في الآية لا يعني عدم جواز قتال الأبعد، هذا إن وجد في الواقع هذا التقسيم والفصل.

ما قاله البعض من كلام فيه الهروب من واقع ما وصل إليه الجهاد من منحة ربانية قدرية لا دخل لهم فيها، مع ما فيها من البلاء، بسبب زعمهم مخالفة المجاهدين لهذه الآية هو نموذج صريح وواضح لما وصل إليه هؤلاء من جهل بالقرآن وفقهه، ومن جهل بالواقع وسياسته، ومن عمى عن ادراك حكمة الله في الوجود وخاصة ما يتعلق بالجهاد، وجهل الانسان بواحدة من هذه الأمور موجب للخسران فكيف لو اجتمعت كلها في شخص واحد أو سبيل واحد؟!

إن من الجهل في ادراك حكمة الله في قدره، وحكمته في تدبير قدر الجهاد ومسيرته أن لا يرى عالم الاسلام كلاً واحداً، اذ كل حلقة من حلقات الجهاد، كما أن طور من أطوار الجهاد هو رصيد لما بعده، لكن من العمى الذي لا عمى بعده أن يظن بعضهم أن قدره الشخصي هو قدر الجهاد كله في العالم، فموته يعني موت الجهاد، كما أن سجنه هو انتهاء الجهاد، وقد كان يعاب على الذين يظنون أن الاسلام هو جماعتهم، فيحرصون عليها زعماً أن بقاءها هو بقاء الاسلام، لكن جاء ما هو أشقى وأضل وهو من تماهى في غروره، وارتقت نفسه في تزكيتها الباطلة حين حكم على فعل المجاهدين بالفساد لأن شراً وبلاءً وقع به، والله يقول ((وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً، وسيجزي الله الشاكرين)).

لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات أصحابه الأخيار من بعده، وقامت دول، وسقطت دول، وقام مجاهدون، وذهب مجاهدون، ودين الله باق، كما أن الجهاد ماض إلى يوم القيامة، والله يقول ((من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم، ومن جاهد فإنما يجهاد لنفسه إن الله لغني عن العالمين)).

إن التصاقك بالجهاد هو حرص منك على مصلحتك، فاجزع أن يفوتك هذا المقعد، ولا تجزع على أمر الدين، لأن هذا الدين هو دين الله تعالى وهو ناصره، وإياك أن تكذب على الله بأن حرصك على حياتك هو حرص منك على الدين والجهاد، لأن الصدق مع هذا الدين ومع طريق الجهاد أن تحرص على الموت لتسقي بدمك شجرة هذا الدين، ولتسقي بروحك كلماتك حتى تكون روحاً تسري في أمة الاسلام بعدك.

{وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون، أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٤٥