تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الناس على الجهاد ضد المرتدين صارت معالم واضحة عند المسلمين، ولم يبق من مخالف لها إلا مأجور أو منافق، أما عذر الجهل فقد تلاشى هامشه أو كاد.

هذا القدر الحاكم الذي يقع لطوائف الجهاد في اتساع دائرة الجهاد، موجب لزيادة التكليف، لكنه يحقق (غير ما تقدم) تصاعد المحنة لأهله، وفي هذا زيادة الأجور والدرجات، كما أنه يصفي الصف من دخنه وأخلاطه، وهذه مقاصد إلهية لا يذهب الناس إليها اختياراً، وهو كذلك يزيد من كشف المنافقين لأنه يدفعهم إلى مزيد من الضلال، فإن المزيد من الخوف يعني المزيد من كشف المستور لارضاء الأسياد، أو لدفع الثمن من أجل البقاء.

هناك قوم يظنون أن ظروف الجهاد اختيارية، فما يصنعونه هم يدفعون ثمنه، وما يأتيهم على غير اختيارهم يسارعون إلى البراءة منه تحت دعوى حماية دعوتهم -كما يظنون- وهم في الحقيقة يسعون لحماية وجودهم ومصالحهم، وهذا من الجهل في سنن الحياة ومعنى الابتلاء، فإن الصحابة رضي الله عنهم دفعوا الثمن في أحد لأفعال بعضهم، وقد سمى الله هؤلاء الهاربين من صف المؤمنين والعيب عليهم بسبب مخالفتهم بالخروج منافقين، وهذا تعليم للمؤمن أن يعتذر مما يفعل المؤمنون من أخطاء، ويبرأ إلى الله من أعمال الكافرين، ولكنه يمضي في مسيرته في دعم المجاهدين وستر أخطائهم، فإما أن يكون مشاركاً معهم وإما ردءاً لهم في جهادهم، أما الناكصون فهم منافقون، ومثلهم كل واحد يقول كلمة الشر ضد المجاهدين، اذ يثبط الناس من اللحوق بهم أو يشكك في أصل جهادهم حتى لو كان هذا الظرف من صنيع غيره في اجتهاده، لأن الهروب من الحقيقة ليس دافعه إلا الجبن لا ما يدعونه من حماية المسيرة.

الاعتقاد بالجانب القدري الحاكم في مسير الجهاد والدعوة أمر لازم لأن فيه صدق اليقين أن هذا الدين لله، وهو ناصره، وهو سبحانه وتعالى يقدر له خير ما يقدر له الانسان، وعامة هذا الجانب يتعلق بالابتلاء والامتحان، لأن فيهما وفي بيئتهما يتحقق النصر والإمامة والتمكين، فالذي يخطط لعمله على وجه يتجنب الدعوة والجهاد الرضات والغمرات حتى يكون هو صاحب قرار المواجهة على وجه معين ثمّ تأتي له الصدمات أو ظروف خارج ما أراد فإن هذا في واقع الأمر خير له لو تفكر فيه، لكن الأغلب من العاملين للإسلام لا يظنون هذا الظن لأسباب متعددة؛ منها أن هذا العذر الحاكم يحقق البلاء الشديد، وقد يحقق الانسحاب أو الهزيمة، لكن لو تفكر هؤلاء قليلاً لرأوا أن ما حصل هو الخير للدين والدعوة والجهاد، لأن الهزيمة أو الانسحاب ليس شراً، ولم يكونا قط نهاية مشاريع الأمم، إنما الشر هو الاستسلام، فالمهزوم يعاود الكرة بخلاف المستسلم، وهذا في قوله تعالى ((ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين))،ثمّ إن من خطأ هؤلاء أن لا ينظروا لجهادهم في هذا المكان أن حلقة من حلقات الجهاد في العالم الاسلامي كله (على اعتبار شعوبه)،لأنك ترى أن كل جهاد قام في بقعة من الأرض كان زاداً لما بعده، ووقوداً علمياً وعملياً لحلقة جهادية أخرى، وهذا ما يبين قيمة إيمان المجاهدين بقدرية جهادهم في كثير مما يقع من الخيرات لهم رغم أنفوهم، أي مع كراهيتهم للبلاء.

قوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين)) هي نص وظاهر كما يقول الأصوليون.

أما النص فهو أمر وتحريض المؤمنين لقتال القريبين، والإغلاظ عليهم، لأن القرب دافع للألفة والود وقد توجد القرابة، بخلاف البعيد فإن النفس لا تمتنع عن قتاله والإصابة منه، ولكن القرآن يقرر أن القريبين أولى بالقتال من الأبعدين، بل

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٤٤