سيوف الجهاد متعددة كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، وتحت كل سيف واقع متعدد، فبعضها يعترض طريقك مرغماً إياك على المواجهة، وبعضها يكون اختيارك لأسباب قدرية أو شرعية، ولابدّ من مراعاة كل سيف من هذه السيوف، ولما يقال إن الشرع يقدم مواجهة على مواجهة كمواجهة المرتدين قبل المشركين الأصليين فلأن هناك من الأسباب القدرية الحكيمة التي يدركها العقل في هذا التقديم.
هذا الباب هو احدى محن الحكمة التي تخوضها قيادة الجهاد، فيمكن أن تصيب، ويمكن أن تخطئ، ولكن يجب اعمال القواعد الشرعية في هذا، فقد رأينا في أحد كيف كان اختيار الخروج وافتراق الناس فيه سبباً في تخلف المنافقين ثم لومهم وتقريعهم، وكيف علم القرآن رسوله صلى الله عليه وسلم ((فإذا عزمت فتوكل على الله))،وقوله صلى الله عليه وسلم ((ولا تقل لو فإنها تفتح باب الشيطان))،ولكن هذا لا يمنع من المراجعة والمناقضة لما هو آت.
وهو كذلك احدى المحن التي ستواجهها القيادة مع الأتباع، كما رأينا كيف اعترض البعض جهلاً على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم قتل بعض الخارجين مع قريش إلى بدر، ولذلك فهناك جانب قدري حاكم هو من سنن الحياة لا يقدر أحد دفعه قط، فوجب الصبر والحكمة وتقوى الله.
في أبواب الفقه يجب ادراك الواقع أولاً، وأي تخيل له غير واقعي هو جهل في الشرع وجهل بعد ذلك في حكم الله تعالى، ولذلك من أخطاء البعض في ادراكه الفقهي أنْ يسعى لأعمال الآيات والأحاديث بإيجاب وقائع لها لزوماً، حتى لو لم تكن، ومن ذلك اعمال هذه الآية وغيرها، فإن الآية تقدم قتال العدو القريب قبل البعيد، وهذا أمر فطري يدركه الحكماء، لكن هناك عوارض نفسية تعترض البعض في اعمالها، لأن القرب في بعض الأحيان موجب للإعذار والود والألفة، لكن لإعمال هذه الآية لابدّ من وجود موجبها، بمعنى أن يكون هناك عدو قريب وعدو بعيد، فإن تلاشى هذا الوصف بسبب من الأسباب لا يكون لإعمالها موجب.
لقد مرّت الحركة الجهادية في ظروف قاسية كان أشقها هو نشر العلم في أعظم قضية وهي التوحيد، والذي لا يتحقق إلا بالبراءة من المشركين والمرتدين، وكان لابد من بيان نواقض التوحيد لكشف ردة المشرعين للقوانين المضادة لشريعة الرحمن، وكان من العلم الملازم جهاد هؤلاء المبدلين لشريعة الرحمن، ولما كان العائق النفسي في قتال هؤلاء، وهم من بني جلدتنا هو أعظم عائق بعد الجهل كان لابدّ من بيان وجوب قتالهم بل قتال غيرهم.
كان هذا اختيار المجاهدين لو اختاروا المسار، لكن القدر الحاكم، وهو رحمة إلهية، أن فرض الكفر كله نفسه في هذه المعركة في قضية يطول وصفها، وبذلك تحقق قوله تعالى ((قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)).
ردة الحكام المشرعين قد فهم عند البعض فيما يَخُصّ قضايا الداخل في البلد الواحد، لكن وعي الكثير من المسلمين على أن الطائفة الحاكمة تكفر بما تدين من تشريعات تتعلق بالأمة وواقعها العالمي ما زال غائباً حتى على بعض الطوائف المجاهدة، ولذلك كانت رحمة الله تعالى في فرض هذا الواقع- أي حضور البعيد ليكون قريباً، وتماهي القريب مع البعيد- حتى ينتشر هذا العلم، وإن سارت الأمور بما يرجى لها من الخير، فإن تساقط المركز يؤدي إلى تناثر التوابع التي تمهد للوراثة التي تحقق ذهاب الغربة الثانية.
كما أن اختلاط القريب- وهو ملتبس عند الكثيرين- مع البعيد- وهو تبيِّن في فطر الناس ودينهم- يقوي مفاتيح الجهاد التي قالها الله تعالى:- ((ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم، وهموا بإخراج الرسول، وهم بدؤوكم أول مرة))،فإن الجهاد لابدّ له من محرض إنساني - غير التوحيد- يزيد من اقبال أصحابه عليه، فإن الدقائق التي كان طالب العلم يحتاجها لتحريض