وتصديقهم لما يقول، ورغبتهم باللحوق به، وهذا دليل على أن المجاهد هو محط محبة الله تعالى في هذا الزمن لحديث النبي صلى الله عليه وسلم:- ((إذا أحب الله تعالى العبد نادى جبريل:- إنّ الله تعالى يحب فلاناً فأحببه، فيحبه جبريل فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض)).
﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين﴾
الآيات القرآنية تهدي المؤمنين لأقوم السبل في هذه الحياة، وهي إذ تهديهم للجهاد إلا أنها تهديهم لشروط الجهاد الذي يحقق النصر، كما تهديهم إلى ادارة الجهاد الصحيحة حتى يخف عبؤه وتكاليفه، فهو لا يقذفهم في لجج الأمر دون بصيرة، بل يفصّل لهم الأمور على بينة وهدى ونور كما قال تعالى ((وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين))،والجماعة المؤمنة محكومة في أدائها لفريضة الجهاد بأمرين؛ أولاهما ادارتها وقراراتها، وثانيهما: قدرها الحاكم عليها دون اختيارها، وقد تكلمت سابقاً عن رغبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في اتقاء مواجهة قريش، ولكن القدر الحاكم كان يفرض عليه مواجهتها أولاً دون بقية الناس، وكذلك فإن النبي عاقد اليهود على قواعد من السلم داخل المدينة، فأبوا هم إلا المواجهة وخيانة العقود في ظروف صعبة بالنسبة للمؤمنين في المدينة.
حين أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع المؤمن في المدينة النبوية، وحصل له وللمؤمنين التمكين كان في عزلة تامة عن مواجهة فارس والروم، ولذلك فوجئ هرقل في إيلياء برسالة النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلح الحديبية يدعوه إلى الاسلام، وكذلك حصل لكسرى، مع أن سلطان كسرى الفارسي كان مستقراً في اليمن، وهي في خاصرة الحجاز التي يدور فيها الحراك الايماني، فاختيار المؤمنين للأطراف حتى يتكامل البناء قد ينجح في جانب وقد لا تتحقق لهم رغبتهم في هذا الأمر، ولذلك فهم محكومون بأمور يديرونها من خلال حكمتهم في تحقيق الأهداف، ومحكومون بأمور خارج ارادتهم، كما هو شأن أمور الحياة جميعها.
القاعدة القرآنية في ادارة المعركة هي تحقيق لقوله تعالى ((وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة))،وقوله تعالى ((والذين كفروا بعضهم أولياء بعض))،لكن تقدّم بعض النماذج النبوية في تمييز الكفار في هذا الباب وعدم وضعهم في مرتبة واحدة، فقد علمنا أن خزاعة هي عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مسلمهم وكافرهم، وقد رأينا كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجنب حي العرب الذي سقت المرأة لهم من مائها، وعلمنا كيف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن لا يقتلوا أقواماً من قريش في بدر خرجوا كرهاً، فالقواعد العامة، والعناوين الكبيرة للجهاد يجب أن لا تلغي سنن الحياة وواقعها، وهذا الأمر هو من نوع ما قاله العلماء من التوفيق بين القواعد والفروع، وهو سبيل لا يقدر عليه إلا الكبار والعلماء والحكماء، ومن قرأ علم الأشباه والنظائر رأى صوراً من هذا التوفيق العلمي الرائع، ومثلها كتاب الفروق للقرافي، وهذا كما أنه في الفقه فهو في ادارة الحياة؛ أي ادارة الجهاد، ومن لم يكن له قواعد يحتكم إليها لم يكن عالماً ولا حكيماً، ومن لم يراعي فروق الفروع كان جاهلاً مفسداً.
هذه الثنائية بين القواعد والأصول وبين الفروع ليست متعارضة ولا متناقضة، لكن فروع الحياة وإن انتظمت تحت اسم واحد لكن كل فرع له مستويات متعددة، ووجود هذه المستويات المتعددة يعني أن كل وصف يختلط فيه غيره من المعاني الأخرى التي توجب خصوصية التعامل، وهذا ما يجعل للطارئ تأثيراً على الاسم الغالب أي على القاعدة الكلية.