لحاكم من الحكام كما هو الشأن في كبار المؤسسات الاسلامية في العالم الاسلامي، اذ الكثير بل الأغلب في هذه الهيئات التي تطلق وصف العلماء والمفتين هي حق للسلاطين والحكام، وهذا من أبطل الباطل لو كان في ديار الاسلام، فكيف هو اليوم في ديار الردة؟! لأن المعلوم أن المؤسسة العلمية في تاريخ الاسلام هي مؤسسة مستقلة، ترفض دوماً الدخول في حكم السلاطين والحكام، وهذه المؤسسة واضحة بينة، يتوارثها العلماء قديماً من خلال الاجازات والانجازات العلمية، فيدخل المرء في زمرة العلماء من خلال هذين المنفذين، وإن كان أمر الاجازة قد ضعف شأنه وصار صورياً، فإنه كان يقوم مقامه شهادة العلماء له حتى من غير المجيزين والشيوخ، وبقي أمر الانجاز الذي يحققه المرء في انتاجه الشفهي أو الكتابي، وكل هذا اليوم قد دمّر بفعل دخول السلطة عليه الحاكمة عليه إلا بقايا قليلة في الأرض.
وإن من مفاسد هذا الباب هو ما قامت به بعض الأحزاب التي ليست من العلم في شيء، لا في حلقاتها ولا في اهتمامها أن بنت مؤسسات موازية لمؤسسات الافتاء والعلم التي تتبناها الدولة الجاهلية، وأدخلت فيها من الخلق ما هم على طريقتها في الفهم والأداء السياسي دون اعتبار للعلم وموازينه، فبدل أن يقع الاصلاح الحقيقي تجذرت صور الجهل تحت أوصاف العلم والعلماء، حتى إنك لتجد فيها، بل هو من كبارها وقادتها من لا يعلم من الفقه شيئاً، بل هو مما يقال له المفكر الاسلامي، أو الفقيه الدستوري على دين الجاهلية، وكل ذلك لأن النية خدمة الفكر أو الحزب الذي صار مذهباً من المذاهب عندهم، يتعصب له، فيدافع عنه بحق أو بباطل، وليست النية تحقيق وصف العلم والعلماء في أصحابها الذين هم أهلها والأحق بها.
- إن أثر العلماء على واقع المسلمين أشد من غيرهم فالحديث الشريف علق الفساد على الأقوال الفاسدة التي يقولونها؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)) ولذلك فنفي الأدعياء في هذا الباب وكشف صفاتهم للناس من واجبات رد التهمة من العلماء، كما هي من واجبات رد الفساد والضلال عن دين الله تعالى.
- إن الناس لابدّ لهم من أئمة يرون شخوصهم في حياتهم، بهم يقتدون في سلوكهم، وبهم يهتدون في كشف ملمات ونوازل الحياة، وهم ملاذ العالم في الحوادث الكبرى لتقوية نفوسهم وردها إلى يقينها بالنصر وحقيقة هذا الدين، وحين يوسد هذا الأمر إلى غير أهله كما وقع في مواطن عدة فإن المدّعين الكاذبين كانوا هم أول الناكصين والهاربين، وهم أقوى من أعلن موت الأمة وانتهاء أمرها، وبذلك حرضوا الناس على ترك الجهاد ومدافعة أعداء الله تعالى، وبسبب هذا فإن الملايين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ذهبوا لمذاهب الكفر القومية والشيوعية والبعثية لما رأوا أن هؤلاء من حملوا قضايا الأمة، ومن خلال هذا المسلك خرجوا من دين الله تعالى، ولو أن العلماء وقادة الحركات الاسلامية تصدوا لهذه القضايا بحق وصدق لما حدثت هذه الظواهر التي سيطرت على العالم الاسلامي طويلاً، وهذه المسألة بالذات تحتاج إلى دراسة مستقلة شاملة تكشف خيانة قادة الأمة من علماء وقادة حركات لقضاياها العظمى، وهي الخيانة التي أدت إلى وجود فراغ ملأه قادة الردة من أصحاب المذاهب الشركية والكفرية.
واليوم لولا أهل الجهاد الذين منّ الله بهم على أمة الاسلام، لكان قادة قضايا الأمة هم اصحاب المذاهب البدعية الضالة، ولرأينا الناس يتبعونهم في مذاهبهم لما يرونهم قد حملوا هذه الرايات، لأن عامة مشايخ أهل السنة على غير غرز الجهاد الذي جعله الله باب حب ورغبة لشباب الاسلام وأمة الاسلام، فإنه لا يكرم الله أحداً برفع رايته إلا وتجد حب المسلمين له،