فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، ذلك مثل الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)).
ففي هذا المثل جعل الله عالم السوء كالكلب لا يتغير من أمره شيء، فهو كما كان قبل العلم في اقباله على شهواته، ونهمته في الدنيا: ((أخلد إلى الأرض))،وثاني صفاته ((واتبع هواه))،فهما صفتان لعالم السوء: الرغبة في الدنيا، واتباع الهوى لا ما يأمره به العلم من اتباع الحق.
تأمل هذه الآيات واجمعها مع قوله تعالى ((ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبواباً وسرراً عليها يتكؤون، وزخرفاً)) ثم اعمل هذه الآيات في ما ترى من علماء السلاطين الذين يحاربون المجاهدين، ويضرب السلطان بسيفهم دين المجاهدين وأعمالهم، فاحكم بنفسك لتعرف أهؤلاء القوم أقرب إلى غرز النبوة ووراثتها، أم أنهم على غرز الشيطان ومذاهبه.
ثمّ عرج ببصرك إلى سيرة السلف ممن نقلوا لنا كتاب الله وعلومه، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفقهها لترى كيف كانوا في أمر الحق وكلمة الحق والزهد والإقبال على الآخرة.
إن قدر العلم والعلماء هو الصبر واليقين، والبلاء والزهد، ولذلك قلما تجد عالماً من علماء السلف إلا وابتلي في باب من أبواب الحق، فما الذي جعل السابقين على هذه الصفة، ثم صار من قدر المنتسبين للعلم اليوم أن يعرفوا كما يعرف أهل الدنيا من النعيم والرخاء والخوض في الشهوات؟!
نحن لا نحسد أهل الدنيا على دنياهم، سواء كانوا قد انتسبوا للعلم أم لم ينتسبوا، فالحياة قد علمتنا أن الحصول على ذهب الدنيا ليس صعباً، بل هو أسهل ما في الحياة، وإن أشد الناس غباءً بوسعه أن يقتني منها ما يغنيه، لكن الحديث عن أهل العلم في هذا الباب لأسباب منها:-
- صيانة للعلم أن يحمله من لا يستحقه من الذين يتخذونه مطية لأهوائهم وشهواتهم، لأن ضريبة هذا الفعل هو خيانة العلم لزوماً، فإن المرء إن حرص على الدنيا فإنه لابد أن يسلك سبيل الهوى في الفتوى والقول والعمل، وسيعرض لزوماً عن سبيل الهدى والحق.
- اننا ندافع عن الجهاد الذي يحاربه هؤلاء، لأن وضع الجهاد والمجاهدين مقابل علم هؤلاء خطأ شنيع، اذ يوهم أن العلماء الذين أمرنا الله بالأخذ عنهم واتباع وصاياهم هم هؤلاء، وهم في واقع الأمر في صف ينازئ المجاهدين، فبهذه القسمة يكون الجهاد خصماً للعلماء الصادقين، والأمر ليس كذلك، فإن هؤلاء هم من أخلد إلى الأرض واتبع هواه، اذ لو رأى المجاهدين علماء حق، يصدقون الله في أقوالهم، ويتقون الله في أفعالهم، ولهم سمت العلماء الصاقدين لخضعوا لأمرهم واتبعوا أقوالهم، لكنهم كيف يتبعون من لا يقول كلمة حق يتبعها أذى لقائلها، وكيف يسمعون نصيحة من هو آكل شارب على موائد أعداء الله تعالى؟
بل كيف يلقون بالاً لقوم لا يسمعون منهم كلمة حق تدافع عن أعراض المسلمين اذا انتهكت من مصالحة الطواغيت في السجون والمعتقلات، لكنهم إن رأوا فسحة من شر يفتحها المجرمون ضد المجاهدين خاضوا فيها خوض الجاهل الذي لا يدقق في الخير ولا في الفتوى كذلك.
- إن اسم العلم قد سرق اليوم كما سرق وصف الشهادة في سبيل الله، ووصف الجهاد في سبيل الله وغيرها من الأسماء الشرعية، ومن حق دين الله علينا أن نعيد هذه الأوصاف لأهلها الصادقين، لأن العلم ليس اسماً يعطى حق اطلاقه