تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينزل بهم من بأس الله مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم. ا. هـ

ثمّ رد رحمه الله القول الآخر وضعفه.

وابن جرير يرى أن الفقه هنا ليس هو الفقه بمعناه الاصطلاحي لكن الفقه عنده هو حصول معاينة النافرين للنصر الالهي للمجاهدين، وما يحصل من عذاب وخزي لأعداء الله، وهذا معنى حق لا شك فيه، فإن هذا الفقه العظيم هو ما تحتاجه الأمة في زماننا حيث اليأس في القلوب من وعود النصر، كما الضعف والجبن فيها من مواجهة الكفار وعتادهم، فإن من يسمع أخبار المجاهدين، وما يحصل لهم من التأييد الالهي، والكرامات العظيمة ليستيقن أنهم هم أعظم الناس فقهاً بآيات الله ووعده، حتى إن أخبارهم هذه لغرابتها على الجالسين حتى العلماء منهم لترد وتستهجن، لأنهم لا يتصورون حدوثها.

ومما يقوي ما يقوله ابن جرير هو أن الذين يريدون تحصيل الفقه "الاصطلاحي" لا يمكن تحصيلهم إياه إلا بالنفير والهجرة للعلم كما هو شأن عامة المسلمين من غير أهل المدينة زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكما هو شأن سير العلماء في تاريخ الاسلام كله، اذ الهجرة والرحلة في طلب العلم أمر ملازم لسننه وطريقته، فلا يقابل النفير للجهاد هو القعود، بل يقابله النفير لطلب العلم.

وعلى كل وجوه التفسير فإن هذا يبين أن الأصل في الأمة الجهاد، ولا يقعد إلا المعذورون أو من أذن لهم الامام، وحين يتعين الجهاد بوجه من الوجوه فإن القعود عنه اثم عظيم وجريرة كبيرة.

أما القول بأن ما يفعله البعض اليوم من التفقه من أجل الدنيا ووظائفها، ومن أجل تحسين معيشة المرء وكسب ماله هو الذي يحقق معنى هذه الآية فهم واهمون مخطؤون، فإن الفقه الذي يأخذونه لا يعلم النافرين للجهاد دينهم، ولا يفققهم ما غاب عنهم بسبب انشغالهم بالجهاد، لأن عامة مايزعمونه من فقه في زماننا هذا أنهم يمنعون الجهاد، ويحرمونه، ويثبطون عنه، ويشترطون له شروطاً تعني شيئاً واحداً أ لا جهاد اليوم، فإن كان معنى الآية أن المقيمين هم من يتفقهون في الدين لانشغال المجاهدين بالنفير والجهاد، فإن معنى هذا أن يكونوا ردءاً للمجاهدين كما شأن العلماء في كل طبقات التاريخ، يحبونهم ويدعون الله لهم، ويحرضون على اللحقا بهم، ويقيمون معهم الشهور والأيام في الثغور لاقامة مجالس العلم والحديث والفقه، ولقد كان من نوادر الرحلة في طلب الحديث أن بعضهم إنما كان ينفر للرباط ليسمع من الشيوخ حديثهم العالي لإقامتهم هناك السنين، فليت شعري أين من يزعمون الانتساب لأهل الحديث اليوم، هل صار مقامهم هو التجارة بالأوراق، والاكتساب بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتنافس بتراث السلف من أجل المال والمنصب ورغد الحياة؟! ثم يزعمون بعد ذلك أن هذا هو تجديد الدين، وأن هذا هو ما يحقق للمسلمين النصر والعزة، وأنهم بهذه السبل يحققون معنى الانتساب لوراث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم!!

((العلماء ورثة الأنبياء)) لأن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم، وإن من علم الأنبياء أن ما جاؤوا به هو لتحقيق الدار الآخرة، فكل علم لا يوصل لهذا المقصد فهو لا يعد من طلب العلم ولا من واجباته، ولذلك فإن الناس يرون صدق علم الرجل من خلال زهده في الدنيا، واقباله على الدار الآخرة، وترك هوشات الناس حول الدنيا ومتاعها، فإن وجدوا الرجل على غير هذا الغرز والسبيل علموا أنه صاحب دعوى ليس أصيلاً في انتسابه للعلم، ولذلك كان من مثل القرآن في هؤلاء ما قاله الله تعالى في سورة الأعراف ((واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٣٩