تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يا قوم! إن هذا الدين أمره وعماده رجاء الدار الآخرة، فأين هي اليوم من أعمال أهل العلم والوعاظ والمفتين.

لقد صدق القائلون:- إن هذا الدين عظيم لكن أين الرجال، وإن الأمر واضح لكن أين العاملون، وإن السبيل جلي لكن أين الصادقون.

﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ ﴿ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون﴾

لقد سمى الله ايذاء اعدائه احساناً، وسمى الله عملهم من الطاعات كالانفاق على أنفسهم والسير والنفير أحسن ما يعمل المحسنون.

الاحسان هو أعلى درجات الدين كما في الحديث النبوي الشريف، ومبناه اللغوي يعني أن يتجاوز في أدائه الحقوق إلى ما هو أكثر من ذلك، وهي صفة كذلك تعني أن يلازم المرء الفعل الحسن، ولذلك هي صفة لازمة، وصفة متعدية، ولفضلها فإن أعظم تفسير لها هو ما فسره الحبيب المصطفى: ((أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) ذلك لأن صاحبها دائم الحضور في العبودية، وهذه أعظم المراتب التي يصل إليها قلب العابد في حبه وخشيته ورجائه واحتسابه.

ولما كان الجهاد خروجاً عن النفس من كل أهوائها، كما أنه عبودية لله، متواصلة لا تنقطع في كل لحظاتها، كان الجهاد هو عمل المحسنين في أنفسهم، فلذلك هو صفة لازمة.

وكذلك لما كان الجهاد اصلاحاً للخلق، اذ لا يستقيم الوجود إلا به، ولا تنقى حياة الأمم إلا بحركته، كان الجهاد هو عمل المحسنين في غيرهم، فلذلك هوصفة متعدية.

فلذلك كان الجهاد هو علم المحسنين في حالة كونه ايذاءً للكافرين، ونصباً وتعباً للمجاهدين، وهو سر ذكر الاحسان في الآية الأولى.

﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾

تقدم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخرج في كل البعوث والسرايا، بل خرج في بعض وأرسل آخرين في أخرى لما تقدم من السبب، لكن وجب على المسلمين أن ينفروا جميعاً إذا استنفرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الامام فيمن بعده كما هو معروف في كلام أهل العلم، فتكون هذه الآية في حالتين: أولاهما أن لا يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وثانيهما: أن لا يستنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الجميع أو قبيلة أو واحداً بعينه.

وعدم النسخ هو قول جماهير أهل العلم ممن لهم اهتمام بالسير والمغازي كالأوزاعي والفزاري والسبيعي وعبد الله بن المبارك وزيد بن جابر. فهذا هو وجه الآية، وليس في الأمر نسخ كما ذكر بعض أهل التفسير.

أما من هي الطائفة المتفقهة، هل هي النافرة أم المقيمة بإذن الإمام؟

فهذه قد اختلف فيها أهل العلم ورجح ابن جرير أن الطائفة النافرة هي المتفقهة وقال:- فإن أولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال:- ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر الله أهل دينه وأصحاب رسوله على أهل عداوته والكفر به، فيفقه بذلك من معاينته حقيقة علم أمر الاسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه، ولينفروا قومهم فيحذروهم أن

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٣٨