تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وموقعة فيها مكرمة من المكارم في رد الظلم عن المسلمين، ثمّ سار الجهاد مسيرته القدرية التي وصلت إلى أن يعاديه الكفر جميعه؛ من كفار أصليين ومرتدين، وكنتم أنتم تؤيدون من الجهاد ما هو مرضي عنه من حكامكم، وما كان في سعة بعدم البلاء والامتحان، ثمّ لما صارت كلمة الجهاد غالية، يدفع المرء ثمنها، نكصتم وهربتم، فالفاضل منكم من سكت، والضال الذي طمس الله بصيرته ودينه من دخل مع أعداء المسلمين في سب المجاهدين، وبين هاتين المرتبتين كان منكم آخرون، فمن الملوم اذاً.

اعلموا أنه ليس من حقكم أن تغلقوا باب الشهادة، ولا من حقكم أن تغلقوا باب أعظم الأجور في دين الله، ولا من حقكم أن تصدوا الناس عن ذروة سنام الاسلام، ولا من حقكم أن تحرموا شباب الاسلام من أن يسيروا مسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فإن ظننتم أنكم بتسميتكم علماء وقادة قد ملكتكم الحق في ذلك فأنتم كفار بلا مثنوية في دين الله تعالى.

إن للأمة عليكم حقاً هو أن تقودوها للجهاد، وأن من حق كتاب الله عليكم أن تقرؤوا آياته تحريضاً للمؤمنين على الجهاد، وإن من حق الحياة أن تسلكوا فيها سبيل السنن الالهية، فإن عجزتم عن ذلك كله فإن من حق هؤلاء عليكم جميعاً أن لا تنتسبوا للعلم، ولا تدفعوا أنفسكم لإمامة وقيادة، ولا أن تعملوا في أي باب من أبواب الفكر، إنما لكم سعة أن تكونوا- إن اتقيتم- اعراباً تعيشون مع الإبل، او مع الغنم في شعب من الشعاب تعبدون الله، فإن قصّرت بكم تقواكم عن العزلة فيسع أحدكم أن يبيع الفواكه والخضروات في بلده.

نعم هناك سبل أخرى من الخير تعملونها، وهي والله عظيمة لو علمتم:- خففوا الزحام فيما بينكم واذهبوا إلى القرى والبوادي وعلموا الناس القرآن والسنن، وارحلوا إلى البلاد الفقيرة التي لا تغريكم بالمال والشهرة، واجلسوا للناس هناك في المساجد كما يفعل الآلاف المبشرين، وعلموا الأطفال القرآن، والناس الدين والفقه والسنن، ودعوا المجاهدين وما نصبوا لأنفسهم له، فإنهم يقولون لكم:- إن انتصرنا كان انتصارنا لنا ولكم، وإن هزمنا كفيتم أمرنا، أما أن تأتوا يوم القيامة خصوماً للمجاهدين، او تأتوا يوم القيامة أئمة للبدع والضلالات التي تحجب المسلمين عن الجهاد، لأنكم في حياتكم الدنيا عجزتم عن مرتبة الجهاد، فلم تذهبوا للعزلة، بل ذهبتم إلى أبواب الشر التي تصف الواقع على غير حقيقته، وتفني بأعمال الكافرين من ديمقراطية وجهالات أخرى وتحسبون أنكم تحسنون عملاً، فاعلموا أن القليل من السنة بل التقصير فيها خير من الاجتهاد في البدعة، فالمقصر معذور والمبتدع آثم مأزور، وكفى بأمثال بدعكم هذه أنها لا تصيبكم وحدكم بل هي اضلال للأمة جميعها من ورائكم.

يا قوم! أما آن لنا أن نتقي الله في ديننا وأنفسنا، فلقد صرنا أضحوكة العالم، ووصلنا إلى حضيض الهوان، وصار الواعظ منا يتاجر بعظته كما يتاجر المرء ببضاعته، وصار الناس يُدعون إلى هذه العظات ويدفعون لها الأموال كما يدفع للعارضين وأهل الغناء والتمثيل، وصار الكاتب يسوّق كتابه كما يسوق التجار، وصار قائد الحزب يسعى للمناصب كما يسعى أهل الدنيا، فوالله إن المرء ليشتهي أن يرى من هؤلاء القوم زاهداً يذكره بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

لقد صار الناس يحسدون هؤلاء لا على دينهم وتقواهم وزهدهم وذكرهم لله وصلواتهم وقيام الليل، بل صار هؤلاء يحسدون على ما معهم من دنيا كما يحسد أهل الدنيا على دنياهم، لكن الفرق أن أهل الدنيا اكتسبوها من طرقها، وهؤلاء القوم أكلوا بآيات الله ثمناً قليلاً، وبضاعتهم كلمات القرآن والسنة وسير الأولين. فحسبنا الله ونعم الوكيل.

يا قوم! كفانا استهزاءً بدين الله تعالى، وكفانا شراءً بدين الله وآياته متاع الدنيا وأهوائها.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٣٧