أما إن سأل الناس: كيف الجهاد، وكيف نحققه؟
فهنا يأتي الامتحان الأكبر للذين يزعمون أنهم مفكرون وقادة، وعلى هذه الزاوية يتكشف الناس، فيتعرى من يستتر بشعارات، وجوب الاحياء بالاجتهاد وتفعيل العقل والفكر، وحين تتأمل الحال تعرف أن كل هذا الغثاء من مدّعي العقل والنظر والاجتهاد، وأن كل هذه الجموع التي تتسابق نحو قيادة الأمة وادعاء ميزاتها في الإمامة إنما هي هباء، لا يستحقون هذه المراتب التي يزعمونها، وهنا فقط يظهر قيمة قادة الجهاد اليوم في العالم الاسلامي، لأنهم هم من حقق هذا الأمر، ومهد له ظروفه، وبعثه حياً رغم كل الصعوبات والمشقات والموانع.
إنهم هم من حطم أسار عقيدة الارجاء التي نخرت في الأمة منذ مئات السنين، وهم من تجاوز جاهلية الجبر القدرية التي حولت المسلمين إلى صخرة صماء لا تبرح مكانها، وهم الذين تحرروا من فقه الجمود والتخلف الذي عطل عقل المسلم ووعيه، وهم الذين رفضوا جاهلية الواقع إيماناً بوعود الكتاب والسنة، من أجل ذلك هم وحدهم من يستحق أن يسمى مجدداً، لأنهم جددوا العلم والارادة في كل جوانب الحياة، وأما غيرهم فلبعضهم فضائل في جانب لا ينكر، لكن فيهم ظلمة في جوانب أخرى، ولو لحقوا بالقافلة لكان لهم الخير الكثير، لكن أغلبهم ضعفت بهم ارادتهم، ولا أقول علمهم، فلم تقوى نفوسهم أن يعيشوا كما يعيش قادى الجهاد في الجبال والكهوف ليحققوا اليوم قول الله تعالى ((واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس))،وهم يأملون وعد الله فيما يأتي لهم ولأمة الاسلام بما بعد ذلك في قوله ((فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون)).
لقد هدى الله طوائف الجهاد وقادتهم إلى باب الخير العظيم، وهو أن الأحكام الشرعية هي خطاب للأمة، فحين يتخلى عنها الحاكم أو السلطان أو يعاديها وينكرها فإنها تعود للأمة، ولذلك قاموا هم بهذه المهمة، وكانت الصدمة كبيرة على المأسورين بأنماط التاريخ أو المحتلين في عقولهم بتشريعات الجاهلية المعاصرة، فلم يستسيغوا هذه الهداية العظيمة اذ رأوا فيها ضرب لمناصبهم وهياكلهم التي استقر وجودها على معنى ما داخل الجاهلية المعاصرة، فانطلقوا يصرخون في المجاهدين جهلاً في البداية، ثم تحول الجهل إلى رعب من هول البلاء الذي يصنعه الجهاد حين يكون صداماً مع رأس الكفر الذي يبذلون هم وغيرهم الجهود لارضائه وتسكينه، وحالهم في ذلك حال المصريين قبل الاسلام من رمي بناتهم في النيل طلباً لرد غضبه عنهم.
ليسمع هؤلاء الذين يرون أنفسهم مجددين ومفكرين وقادة فكر يعدون أنفسهم أئمة العصر إلى قضية يسيرة لو صدقوا مع أنفسهم:- إن الجهاد شريعة الرحمن، وأن موجباته العينية اليوم قد حضرت، ولا ينكرها إلا ضال قد طمس الله على بصيرته، فليقولوا لشباب الاسلام ورجاله حلاً لسؤال: كيف نجاهد، لأنهم حين يصرخون بخطأ المجاهدين، وحين يدعون أن أهل الجهاد غير مهديين، فمن الواجب عليهم أن يقولوا لهم عن البديل، وأقصد الجهاد البديل لا بديل الجهاد، فهنا هو معيار صدقهم في كل دعاويهم واتهاماتهم.
المجاهدون اليوم وقادتهم قدّموا أدلتهم في كل ما يأتون به علناً، ولم يقم أحد قط فيما علمت قد رد رداً شرعياً على مسائلهم، -وأزعم أني أنقب في كل ما يقال في هذا الباب، لأني أعتقد أن هذه قضية العصر- لأن كل ما يقال هي عمومات قوم يصرخون ويسبون، دون أدلة بينة على طريقة أهل الفقه من العلماء الذين يعرف طلبة العلم سبيلهم الذي استقر طوال تاريخ الاسلام، ثمّ إن المجاهدين وقادتهم قد استفرغوا وسعهم في إقامة الحجة على العلماء وغيرهم بما يستطيعون من البيان والإعذار، ثمّ اجتهدوا طاقتهم في وضع الجهاد حقيقة عملية على الأرض، اذ استنفروا شباب الاسلام لكل هيعة