تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا أن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه﴾

إن من عظمة النبي صلى الله عليه وسلم أنه جاء بالصدق وصدق به، وهذا أمر بالطاعات وكان أمامها، وكان يستغفر ربه وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكان من شفقته على أمته وعدم شقته عليها أن لا يذهب في كل غزوة تخرج إلى المشركين لما يعلم من حزن أصحاب الأعذار في عدم موافقته فكان يقول:- ((والذي نفسي بيده لولا أن رجالاً من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه ما تخلفت عن سرية تغدو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل))،ولذلك ما كان يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا للغزوات الكبار، والمعارك المصيرية العظمى، ولما كان الأمر كذلك فإن الله حض المؤمنين في المدينة والمؤمنين من الأعراب أن لا يتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج، ذلك لأن خروجه يعني أن الأمر عظيم، ولذلك رأينا فضح القرآن للمنافقين المعتذرين عنه في كل غزواته سوى غزوة بدر كما ذكر كعب بن مالك في حديثه السابق.

إذا كان هذا شوق رسول الله صلى الله عليه وسلم للجهاد، وهذه رغبته، وما يمنعه من الخروج مع كل غزاة إلا رحمته وشفقته على أمته، فكيف تطيب نفوس الناس بترك الجهاد؟! وكيف يرون أن النفير مشقة تدعو للهروب والنكوص؟!

إن نفسية النبي صلى الله عليه وسلم هي أعظم النفوس وأرقاها، وهي أدرى النفوس بالخير لنفسها ولأصحابها وللعالم، وهي أرحم النفوس على البشرية جمعاء، ومن أجل ذلك كله فإنه يحبس نفسه غير راغب بذلك عن المسير والنفير مع كل غزوة يرسلها، هذا وإن مجموع البعوث والسرايا منذ أول غزوة أرسل بها حمزة عمه رضي الله عنه وأرضاه على رأس سبعة أشهر من الهجرة إلى أن جهز جيش أسامة بن زيد إلى الروم في عام وفاته كان ثمان وثلاثين كلها وقعت خلال وجود النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وكان عدد ما خرج فيها على ما ذكر ابن اسحق سبعاً وعشرين غزوة، وقال الطبري: كانت غزواته بنفسه ستاً وعشرين غزوة، وسبب الخلاف في العدد هو الخلاف في خروجه من خيبر إلى وادي القرى هل هي غزوة واحدة أم أخرى، لأنه لم يرجع من خيبر حين فرغ منها إلى بيته، لكنه واصل فمضى إلى وادي القرى، فتأمل هذه الحياة القصيرة بزمانها، العظيمة بأعمالها، لتدرك ما هي حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ولتدرك ما هي حياة أصحابه معه، وما هو حال المدينة ورجالها وأهلها، ولقد رأيت بعض النماذج من البلاء في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم حيث البلاء الشديد، والشهداء، والظروف القاسية، مثل أحد والخندق وحنين وتبوك، وغيرها مما وقع لأصحابه كبئر معونة ومؤتة.

فهذه حياة نبيّ الاسلام، وهذه حياة أصحابه الكرام، وهذه هي بيئة القرآن، ولقد أكرم الله الأمة على مدار تاريخها بمقدار اقتدائها بهذه الحياة، فكلما كان الامام والسلطان قريباً من هذه الحياة هو وجنده كان مباركاً منصوراً مؤيداً، وكلما كان بعيداً عن هذه الحياة كلما كان مخذولاً مهزوماً بغيضاً، وكذلك الأمة، فإن أمة الاسلام في تاريخها لا يكون لها الهداية والتوفيق والعزة واستعلاء الايمان إلا بالسير هلى هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أما إن ركنت للقعود، فرضيت بالحياة الكسولة الخاملة فإن هذا يعني وفاتها وغيابها عن مكانتها التي أرادها الله لها.

هذه قضية وجودية لا تخضع للنظر، ولا لفتوى فقيه، ولا لاجتهاد مفكر وقائد، لأنها أعظم وضوحاً من أن تخضع للاجتهاد والبحث والنظر، فإن كان هناك قضية فطرية في ما هي حياة الاسلام وعمل المسلمين فإن هذه القضية الفطرية هي الجهاد، لأنها الهواء للحياة، والشمس للنماء، وذهابها يعني ذهاب الحياة والنكوص إلى الفناء.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٣٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٣٥