تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم يقول الله تعالى:- ((ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح))

ففي هذه الآية أن كل موطن من مواطن الجهاد هو غيظ الكافرين، وأن كل خطوة لأهل الجهاد وهي ألم لهم في أرواحهم ونفوسهم الخبيثة، وأن كل نيل منهم وهم الأعداء هو عمل صالح يحبه الله تعالى، فإسعادهم واراحتهم ليست مهمة المسلمين كما يريد مشايخ الجهل اليوم من أهل الاسلام عامة وأهل الجهاد خاصة، بل مهمة المسلمين أن يملؤوا حياتهم ألماً وغيظاً وإلا كان حياة المسلمين كلها ألم وغيظ، وسيطؤون بلادنا، وسيؤلمون أبداننا ونفوسنا، وسنكون كما نحن الآن، لأن الواقع أبلغ من كل الكلمات لمن كان له قلب يعي ويبصر.

لقد كان سمت النبي صلى الله عليه وسلم وسمت أصحابه معه هو تحقيق عبودية الله في الأرض، وبسط سلطان العدالة، ونشر قيم الهدى والنور، ولذلك قال الله تعالى ((ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه))،فالسائر على سنته، والمقتدي بأمره هو هذا الذي يحققه فيه أمر تعب البدن وإغاظة وايلام الكفار في أنفسهم وأبدانهم، فهذا هو أعظم الأعمال الصالحة التي يأمر الله المسلمين الأخذ بها، والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فإن أطاعوا ذلك كانوا من المحسنين كما قال تعالى ((إن الله لا يضيع أجر المحسنين)).

ففي هذه الآية جمع الله أعظم الأوصاف في عبادة الصالحين وهي:-

- هم على سننه ومشاركون له في عمله وطريقته.

- وهم يرون أنفسهم أتباعاً له في ما يصيبه من شدة وتعب، فإن سنته العظمى في الحياة هي الجهاد وهو الذي فيه العرق والتعب والجوع والعطش.

- إن حياتهم هي نموذج حياة الصالحين، لأنهم أينما تقلبوا فهم في عمل صالح، فإن ناموا أو قاموا، وإن مشوا أو وقفوا، فكل موطئ لهم في الجهاد هو عمل صالح، وكل نفس لهم في مسيرهم هو عمل صالح، وكل شربة ماء على ظمأ، وكل لقمة خبر على مخمصة، وكل فراغهم من الماء أو الطعام، كل هذا لهم عمل صالح، فنفقاتهم على أنفسهم لستر أبدانهم وسد جوعهم ودفع عطشهم مكتوب لهم فيها الأجر.

- وهم من يستحق وصف الاحسان.

فهذه مراتب العباد، فهم مسلمون، صالحون، محسنون، لأنهم حقاً على غرز النبي صلى الله عليه وسلم، وهم السائرون على هديه، فلم يتخلفوا عن طريقته، ولم تذهب عقولهم مذاهب الجهل أنهم أصحاب فكر ونظر في ابداع الطرق للوصول إلى رضى الله وتحقيق النصر كما يفعل أهل الجهالة في زماننا.

كانت الآية تتحدث عن آلامهم في أنفسهم، وآلامهم في أعدائهم، فإن لم يكن في الجهاد إلا المسير بلا آلام، فهل لهم أجر في ذلك؟

الجواب في قوله تعالى:- ((ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون)).

فهذا فضل الله؛ اذ خطواتهم التي يمشونها محسوبة في العمل الصالح، وما يأكلونه هم، وما يشربونه هم، وما ينفقونه على أنفسهم لهم أجرهم فيه.

فهل علمت الآن يا عبد الله من أين أتى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُسأل عما يعدل الجهاد في سبيل الله تعالى فيقول:- لا تطيقونه؟!

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٣٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٣٣