تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه دعوة الله لكم، وستجدون أمامها سبلاً كثيرة يدعوكم إليها رجال رضوا بالهوان وأحبوا القعود، وآثروا دنياهم على آخرتهم، فانظروا إلى أنفسكم في أي السبيلين أنتم؟

هذه سبيل الله توصلكم إلى الجنان، ورضوان الرحمن، فإياكم والالتفات وراءكم، اذ ليس هناك إلا حياة الضنك والذلة، يعيش فيها قوم لا ينشطون لمكرمة، ولا يدفعون عن عرض، ولا يحققون نصراً كما قال تعالى ((قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإن عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا)).

((ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدوٍ نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجل المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون، وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كلّ فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون))

هذا وعظ القرآن للمجتمع المسلم في المدينة، وكذلك هو للأطراف حول هذا المجتمع من المسلمين، وهو تفسير لقوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين)) كما أنها تفسير لصدق الذين تابوا وقبل الله توبتهم لصدقهم، فالآية شاملة للأمرين، أي لحال من تقدم من صدق الثلاثة في التوبة، ولحال الذين نفروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا وعظ للذين يطلبون الأجر مظانه، ويرغبون بتحصيل الحسنات، فالقلوب التي تستجيب له إنما هي القلوب التي تعلم قيمة العمل الصالح، وترغب في نيله، وهي على استعداد أن تدفع مقابله ما يطلب من الثمن، لكن لو كانت القلوب خاوية من قيمة الحسنة، وفارغة عن محبة اتيان الأعمال الصالحة فإنها لن تستجيب، لأن الخطاب لن يلامس الحب الذي هو أكسير القلوب وباعث حركتها.

﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله﴾

هذا حال الجهاد، وهو قدره، ولا مفر للمجاهد منه، فهو لابدّ ملاق للظمأ والتعب والجوع، فهي فتن الجهاد مع البدن مهما حاول المجاهدون تأمين عدم حصول ذلك، فإنه لابدّ واقع، وهذا ردّ على من علق الجهاد حتى يتحصل المجاهدون كل حاجاتهم ليشرعوا فيه، ذلك بأن من قال هذا فإن معنى قوله أن لا جهاد.

هذه الظروف الصعبة هي باب من أبواب الأجور، وباب من أبواب دخول الرضوان ورفع الدرجات، ولذلك هي فرصة المسلم في اثبات صدقه مع الله، وفرصة له لتحصيل ما يحب من الدرجات والحسنات، فإذا كان الناس يكرهون البلاء، وهي كراهية فطرية في النفوس، فإن في ما يكرهون الخير العظيم.

﴿ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً﴾

هذه قاعدة قرآنية عظيمة أن ايلام الكفار بدناً ونفساً فعل محبوب في نفس الله تعالى، وأنه باب من أبواب العمل الصالح.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٣٠