تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويسأل الحبيب صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: "لا تستطيعونه"، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً، كل ذلك يقول: "لا تستطيعونه" ثم قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر: من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله.

ومن تأمل هذا الاقتران والمقابلة علم أن الجهاد لا يقبل عليه إلا من هو عالم بأجور الأعمال، راغباً في الوصول إليها، أما الذين لا يقيمون رأساً للأجور ولا للحسنات، فإن الجهاد لا يعنيهم في شيء، بل هم باذلون وسعهم لتأويله والهروب منه والتخفيف من التزاماته.

لو تأمل المسلمون حديث كعب بن مالك، وقبله هذه الآية العظيمة ((وعلى الثلاثة .. )) لعلموا مقدار ذنب ترك الجهاد الواجب العيني، ولبكوا على أنفسهم أنهم يأكلون ويشربون ويتنعمون وهم تاركون للجهاد في وقت غزيت بلادهم، وامتهن دينهم، وغيرت شريعة ربهم.

إن هذا الذنب العظيم والكبيرة الخطيرة هي سبب غضب الله على الأمة، وهي سبب هوانها في عين الله تعالى، فوالله لو قامت هذه الأمة بأجمعها قيام الليل، وصلت كلها في جماعة، وحجت كلها ووقفت في عرفات، وتصدقت كلها بما وجب عليها من الزكوات ما رفع الله عنها الذل والهوان إلا إذا جاهدت في سبيل الله تعالى ضد الذين غيروا شريعة الرحمن، وقتلوا أولياءه، ووالوا المشركين أعداءه، وأهلكوا الحرث والنسل.

ووالله لو صارت الأمة كلها عالمة بالكتاب والسنة، وتركت التقليد الفقهي، وطبعت كل كتب التراث فحققتها وقرأتها ما كانت لتدفع شر المشركين الذين وطؤوا الديار وقتلوا الرجال وانتهكوا الأعراض إلا إذا امتشقت سيوف الجهاد.

ووالله لو بكت كل ذنوبها إلا ذنب ترك الجهاد ما كانت لتحقق النصر والوراثة. لكن تذكر أيها المجاهد- والمجاهدون اليوم قلة وأقل بكثير من الملح في الطعام بالنسبة لعموم الأمة-، أن المجاهد هو محتاج لذلك كله من الأعمال الصالحة حتى يكون جهاده عبودية لله تعالى، وعلى نور من علم الكتاب والسنة وفقه السلف الصالح.

هذه حكام القرآن وهدايته، وهذه سنن الوجود التي تغلب كل من يقف أمامها، فدع عنك غرور الأقوال، وبدع المذاهب وأوهام الرجال والحق بالقافلة إن أردت ارضاء الرحمن فها هو القرآن يقول:-

﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾

هل بقي لأحد شك أن التقوى هنا هي الجهاد في سبيل الله؟.

وهل بقي لطالب حق يعلم منهج القرآن يشك أن الصادقين هنا هم المجاهدون؟!

نعم إن التقوى كلمة عامة يدخل فيها اتيان كل ما أمر الله به، واجتناب كل ما نهى الله عنه، وكذلك ((الصادقين)) وصف عام لكل من وافق قوله الحق، ولكل من وافق قوله فعله، لكن كان هؤلاء هنا هم الذين تاب الله عليهم بالنفير، وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار، وهم الثلاثة الذين تابوا من تخلفهم، فصدقوا في ندمهم وتوبتهم، فدعا الله كل مسلم يريد التقوى ويحب أن يوصف بالصدق أن يلحق بالقافلة.

هذه دعوة الله لكم يا رجال الاسلام، ويا شباب الاسلام، وهي دعوة صريحة جلية لا تقبل التأويل، لأن آيات الجهاد سماها الله محكمة كما قال تعالى ((ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة، فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم)).

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٢٩