هذه معركة واحدة وإن كان لها صورتان، معركة ضد أعداء الله حين يطبق العدو عليك من كل جانب، ويتخلى عنك أهل الأرض جميعاً، ويصل الأمر أن تضيق عليك نفسك، وتضيق الأرض مع اتساعها فلا تجد إلا أسواراً تحيط بك كما قال تعالى:- ((حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا))،وكما قال تعالى ((واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون))،فيبزغ النصر كضوء الفجر.
ومعركة أخرى مع التوبة، حين يقع المرء في معصية ما، والمعاصي قدر ابن آدم لا محالة، فيسقط الانسان سقط يريد الله للعبد منها أن يرفع درجته، فيأتيه الشيطان داعياً له إلى الإصرار والكبر، فيزين له الاستعلاء على التوبة والندم والاعتراف، فيجاهدها، فيبدأ الألم وشعور الندم، وتنساح الدموع بين يدي الله طالبة العفو والمغفرة، ويشتد ضيق المرء من هذه المعصية، فما يلبث أن يحس براحة التوبة والندم والانابة، فتأتي الدموع على قلبه كما تأتي مياه السماء على الأرض فتغسلها وتنقيها وتزيل عنها رجسها، فتتحرر أعضاء بدنه إلى الطاعة والعبادة، فيحس بنعمة الانتصار.
كلاهما معركة، ولا يمكن أن يتحقق فيهما النصر إلا بعد أن تبلغ القلوب الحناجر، وتفتن النفوس بأمواج الابتلاءات، لأن هذا ما يؤهلها لتحقيق النصر ودخول الرضوان ومقام العبودية لله رب العالمين.
يقول الله تعالى ((أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب))
والله يقول في هؤلاء الثلاثة ((حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أنلا ملجأ من الله إلا إليه)) وهذا يونس عليه السلام يصف الله ما جرى له لما وقع منه ما وقع فقال تعالى ((وإن يونس لمن المرسلين، إذ أبق إلى الفلك المشحون، فساهم فكان من المدحضين، فالتقمه الحوت وهو مليم، فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون، فنبذناه بالعراء وهو سقيم، وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين))
أما تسبيحه وقوله في توبته فقد قال الله فيها: ((وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه، فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين)).
فهذا هو سبيل دخول رضوان الله، فللوصول إلى لحظة التوبة والقبول، هو نفس المعنى للوصول إلى لحظة الفوز والنصر كما قال تعالى ((إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً)) فعلى السالكين وطالبي المغفرة والرضوان، وعلى العاملين للتمكين والوراثة في الأرض أن يعدوا أنفسهم لذلك، وأن يتوقعوا هذه اللحظة.
أما الذين يريدون الجنان في الآخرة، ويريدون الوراثة والتمكين في الدنيا دون سلوك هذا السبيل، ودون الوصول إلى هذه العقبة الكبرى الأخيرة في المسيرة فهم- والله ثم والله- واهمون.
ولهذا المعنى كان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقارن بين الاخبات في العبادة وبين الجهاد، فهو الذي يقول: قيام ساعة في الصف خير من عبادة ستين سنة.
ويقول صلى الله عليه وسلم:- ((رباط يومٍ وليلة خير من صيام شهر وقيامه، وإن مات فيه أجري عليه عمله الذي كان يعمل، وأجري عليه رزقه وأمن الفتان)).