لقد كنت أقول لبعضهم لو أن الفلاسفة الذين شغلوا بإيجاد الانسان الكامل على المعنى السنني علموا هذا الحديث فقط لرموا كل زبالات عقولهم أمام نور وهداية كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنهم نظروا في المسلمين فوجدوا تصوفاً مفسداً للفطرة، وجبرية مدمرة للإرادة، وارجاءً ملغياً للعمل فقالوا كل الشرور عن هذا الاسلام، ونسبوا إليه كل الجهالات، كيف لا وقد صار منهج القادة اليوم في تغيير الواقع أن يكثروا الخضوع للطواغيت، ويعدون هذا ديناً وشريعة، وأن يبتعدوا كثيراً عن الواقع لأن هذا أسلم لدينهم وتقواهم، وأن ينتكسوا إلى داخلهم حتى لا تؤذي مفاسد العصر إيمانهم، وحين ينشطون لعمل إنما ينشطون استجابة لاغراء غيرهم، فيقاتلون ويقتلون خدمة لأعداء الله، لأن عقولهم في آذانهم، فرجل واحد كلورنس العرب ساق الجيوش والقبائل إلى الكفر ومقاتلة المسلمين، وما زال لورنس إلى يومنا هذا يعمل نموذجه عمله، لأن الأمة لم تسمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)).
إن التجديد الذي تحتاجه الأمة يجب أن يبدأ من تحرير إرادتها وعقلها، ويبدأ بتنشيط المسلم ودفعه للعمل المبني على العلم السنني، وبوجوب رفع الخوف والرعب من النتائج، لأن نتائج الكسل أخطر بكثير من نتائج العمل المبني على الاجتهاد واستفراغ الوسع في اصابة الحق، ثم تعليم هذه العقول كيف تحكم قراراتها في الناس بعد أول تجربة، ففرعون لن يسلم إلى على فراش الموت كما قال قوله ((وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين، فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين، فلما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني اسرائيل، فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون)).
أما تجديد مسائل الفقه والاجتهاد فهي مجرد أحكام هداية ونور لهذه الإرادات والنفوس والعقول، فحين تقع هذه الأحكام على ارادات ميتة ونفوس منهارة وعقول معطلة فإنها تتحول إلى شكل الوعاء الذي تحل فيه، ولذلك فإن مدخل صناعة المسلم الصحابي هو الايمان بالله واليوم الآخر، والايمان بالله يعني أوله رفض الآلهة الباطلة، لأن شعار الايمان هو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، وشقها الأول هو الرفض، مصارعة الواقع الجاهلي على نور هذا الرفض وهدايته.
هذه الحياة صارمة، ومعركتها قاسية شديدة، فالانسان أمام تحديات كبيرة، فهو أمام نفسه وأهوائه وشهواته، وهو أمام الشيطان الذي أقسم ليغوين الانسان ويفسده كم قال تعالى على لسانه ((فبعزتك لأغوينهم أجمعين))،وهو لن يألوا جهداً في سبيل تحقيق هذا الهدف ((ولآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ثم لا تجد أكثرهم شاكرين))،فهو كما قال تعالى عدو للإنسان ((إن هذا عدو لك ولزوجك)) وهو لن يكل عن حربه ((لأحتنكن ذريته إلى يوم القيامة))، وأولياء الشيطان أهل مكر وخداع، ومكرهم ليس سهلاً ولا لهواً، بل إن مكرهم أشد من الجبال كما قال تعالى ((وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال)) وهم في هذا المكر وهذه الحروب لا يكلون ولا يتعبون كما يفعل بعض المسلمين بل هم كما قال تعالى ((ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا))،وهم قد يختلفون في ما بينهم ولكنهم واحد على المسلمين كما قال تعالى ((وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة))،فاللعب واللهو في هذه المعركة وهذه المسيرة غير مسموح به، والتهاون والكسل يعني الدمار والهزيمة، وأما الغباء والسذاجة وادعاء احسان الظن بالشيطان وجنده في هذه المرة فهي تعني أن فاعلها يستحق مزبلة التاريخ.
فقواعد هذه المسيرة وهذه المعركة وهذه الحياة هي: المداومة في الليل والنهار أي على قاعدة ((واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)) والتمسك بالحق كاملاً دون المساومة على بعضه، فإن البعض في معركة الحق والباطل يعني الكل ((ولولا أن