تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويستعين بالنفوس وأهوائها ورغباتها، فتبرز لها معالم الايمان، ووعود الحق الالهية، فتأتي الجنة وما معها من رضوان الله، ويقفر الحياء من الله والحياء من الناس، وخلال ساعة أولى مع كل فتنة وكل حدث عظيم يبتلى فيه أهل الايمان يكون القرار.

هنا في هذه الساعة كشف الله ما وقع في قلوب بعض الأصحاب –رضي الله عنهم وأرضاهم- فقال: -من بعدما كاد يزيغ قلوب فريق منهم- لا يفضح هؤلاء العظماء الكبار، فهم عنده أحباء لا يفضحون، بل يكشف كذلك ليظهر منته ورحمته عليهم، وليعلم أتباعهم الذين يأتون بعدهم أن هذا الصراع الداخلي هو قدر القلوب مع حياة الايمان والجهاد، فليحضروا أنفسهم لذلك في كل موقعة، فإن ما سيأتيهم من كيد الشيطان لن يتوقف، ولكن ليتذكروا أئمتهم الهداة كيف نجحوا وردوا كيده فانتصروا فيه، ذلك لأنها قاعدة ((ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه)) وقاعدة: ((وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا عليه وإذاً لاتخذوك خليلاً، ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً، اذاً لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد علينا نصيراً)) هي قدر الانسان في كل لحظة ابتلاء، حيث تتراوح الإرادات والنفوس، فتأتي هداية الله وتوفيقه لتنشله من المعصية.

إنها ساعة يا عباد الله، إن نجحت فيها رأيت حلاوة الإيمان، وعطاء الرحمن، ونعمة الفوز على الشيطان، وكذلك العزيمة إنما هي ساعة يعقبها الحسرة الطويلة، والعذاب المقيم، وشعور الذلة والخزي أنك هزمت أمام الشيطان وشهواتك.

المراحل الطويلة ليست بأزمانها، ولا بأحداثها، لكن ببداياتها حين تقرر ارادة الانسان أمراً، فتقبل عليه غير ناظرة خلفها ولا متخوفة مما هو أمامها، وفضائل الناس ومراتبهم في هذه اللحظة، وإلا فالناس بعد ذلك سواء، ولقد خبرت البدن فوجدته كالطفل يمكن أن يحمل كل ما تحمله النفوس وإراداتها، ولكن الفرق بين البشر في اراداتهم، اذ تجد الكبار منهم يضغطون على هذه الارادات فيسبقون غيرهم، وتجد غيرهم له بدن أشد وأقوى لكنه ضعيف الارادة، ما أن يقرع عليها قرعاً خفيفاً حتى تضعف وتنهار، فيسبق أصحاب العزائم بأبدانهم الضعيفة أصحاب الخور بأبدانهم القوية، ولقد صدق إمام المتقين ((استعن بالله ولا تعجز))،ووالله لو علم العالم كله ما في هذه الألفاظ فقط من نور وحكمة، وما فيها من دليل نجاح لكل سبل الحياة، وما فيها من تربية فريدة لعلموا أن قائلها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لا ينطق عن الهوى بل هو وحي يوحى.

تأمل هذا المنهج الرباني في دفع المسلمين رجالاً ونساءً، أطفالاً وشيوخاً إلى العمل، ورفض الخوف واليأس، والاستعلاء على ضعف الأبدان ومعوقات الطريق، والرعب من الفشل، ثم قارن هذا بما عليه المسلمون في بيوتهم من تربية، وما في مدارسهم ومعاهدهم من مناهج، وما يلقيه الشيوخ والقادة من رعب تقيد نفوسهم، فيأسرونهم بالخوف، ويحبسونهم في إسار التقليد، فتجد آثار هذه الجهالات في نفوس ابنائها جبناً وخوفاً، واستسلاماً للأقدار، وتبعية للأغيار، ممّا حولنا إلى غثاء كغثاء السيل، وإلى أعدادٍ رقمية لا قيمة لها في مسار الحياة وحوادثها، ولولا بقية أهل الايمان من المجاهدين الذين تمردوا على هذه الوراثة النكدة لكان حقاً على هذه الأمة أن تذوب وتنتهي من الوجود، لذلك كان الجهاد هو حياة هذه الأمة، فهو الذي يربي ارادتهم، وهو الذي يكسر حواجز الخوف والجهل، وهو الذي يربي قدرة الأمة على ادارة الحياة والأزمات والصراعات، وهو الذي يستفز العقل المسلم للإبداع، لأنه هو الذي يصنع حراك الحياة، فينفي خبثها ويدفعها لمواجهة التحديات.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٢١