فيتوب الله عليه بعمله هذا فيعطيه حقه بعدم العذاب، ولهذا تسمى الطاعات توبة، فمن أطاع الله فقد تاب من المعصية، لأنه لو ترك الطاعة لكان عاصياً مستحقاً للعذاب.
فالله عز وجل حمى نبيه والمهاجرين والأنصار من المعصية، فوفقهم للاستجابة، فنفروا إلى تبوك فحصل لهم المغفرة والأجر.
وهناك معنى آخر يفيده ظاهر الآية أن العمل الصالح يكفر السيئات، ويكفر كذلك ما يحصل في الطاعات من التقصير، وذلك كما كان من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم من الاستغفار بعد الصلوات، وهو مأخوذ من قوله تعالى ((والمستغفرين بالأسحار))،فقد فسرته أمنا عائشة رضي الله عنها أن هذا الاستغفار يكون بعد قيام الليل مخافة تقصيرهم أو عدم قبولهم، فيكون ما عملوه من الاستجابة والنفير إلى تبوك سبباً لمغفرة الذنوب وقبول العمل.
﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾
لم يكن هروب المنافقين من النفير انتصاراً لهم، ولم يكن تخلفهم راحة لهم من هم تخلصوا منه، ولم يكن النافرون في خسارة ونصب، فمن يحسب هذه الحسابات هم أهل الجهالة، وهم أصحاب القلوب التي لا تبصر إلى بمعيار شهواتها ورغباتها، فالراحة انتصار، وحفظ الأموال من الإنفاق ذكاء وعزيمة، والنجاة بالأنفس من الشهادة غنيمة وتوفيق، فهذه معاييرهم، ولكن معيار الحق غير ذلك، إنه معيار قوله لعائشة الصديقة وهو يسألها عن الشاة التي ذبحت: كم بقي منها؟ فتقول:- ذهب كلها إلا كتفها! فيقول الحبيب المصطفى: بل بقي كلها وذهب كتفها، وههنا لقد حصلت الغنيمة الأعظم، والفوز الكبير، والأجر الجزيل لهؤلاء الذين نفروا، فأصابهم هذا الفضل الالهي بأن تاب عليهم، ونجاهم من الهلكة والقعود، فهذا هو ما يرضاه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وهو حبيبه ومصطفاه وخليله، وهذا ما يرضاه للذين اتبعوه من خيرة الخلق بعد الأنبياء وهم المهاجرون والأنصار.
((لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار)) تعني أنهم فازوا ونجحوا، وتعني أن رحمة الله قد أدركتهم، وتعني أنهم استحقوا رضوان الله وولايته، فالتوبة بوابة كل خيرات الدنيا والآخرة، لأن المعصية هي باب الضنك والعذاب والذلة والخزي والمهانة.
((على النبي والمهاجرين والأنصار)) لقد تاب الله فهكذا حصل الفضل للأصحاب حيث قرنوا مع الحبيب في نسق واحد من عطاء الله بالتوبة، لأنهم كانوا معه، ولأنهم اتبعوه وأطاعوه فانتظموا في سلك التوبة العظيم، فهذه هي المكارم، وهذه هي المراتب، وكل ما بعدها لا يعدلها في شيء.
﴿ساعة العسرة﴾
لقد امتدت غزوة تبوك خمسين يوماً، أقام فقط عشرين يوماً في تبوك، وشهراً كاملاً مضى في السفر الشديد، اذ أصابهم العطش مراراً، واشتد عليهم الجوع، فربما أكلوا الورق حتى تورمت شفاههم، حتى كادوا أن يذبحوا عامة رواحلهم في وقت من الأوقات، وهم الذين كانوا يتعاقبون على البعير الواحد، اذ ربما تعاقب عليه ثمانية عشر رجلاً، ومع كل هذا سمي كل هذا في كتاب الله تعالى ((ساعة العسرة))،ذلك لأن الفعل حتى لو طال إنما هو ارادة جازمة في ساعة من ساعات الحياة حيث يقع الابتلاء، فيبدأ الصراع في داخل النفوس، فيحضر الشيطان، ويجلب معه وعود الفقر والخوف،