تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والغريب أن أي وزير أو عضو مجلس تشريعي إن اختلف في مسألة من المسائل مع حكومته أو مع الناس أو مع المجلس ذهب للاحتكام إلى الفقه الدستوري والقانوني لهذه الأمور، ولا يقول أبداً: أنا دخلت هنا بناءً على فقه خاص لدي، أو على تصور ذاتي لي، لكن حين يبحث عن حكم هذه الأمور في الشرع فإنه لا يبحث عن هذا كله، بل يتصور الأمر على وجه خاص- مع اضافة النية الحسنة- ثم يجيب عن حكم هذا التخيل والتصور. وبمثل هذه الطرق الجاهلة في الاستدلال فإن بعضهم ذهب ليجمع أقوال الأقدمين في جواز تولي المرء أعمالاً شرعية تحت ولاية ظالم أو كافر، ليقول بجواز التعامل مع الكفار المحتلين في ادارة البلاد التي احتلوها وسيطروا عليها، وذهب إلى حمل السلاح ضد المجاهدين لأنهم في فقهه خوارج يقتلون أهل الاسلام، أي أولئك الذين يتعاملون مع المحتل وينفذون سياسته.

وكل هذه الطرق تقوم على قراءة الألفاظ وإنزالها على معاني مختلفة، لكن لأن العقل المسلم اليوم قد تعطل، وأقصى ما فيه من الابداع هو قراءة نوازل القدماء وادخال الحوادث الجديدة فيها، دون النّظر إلى تحقيق المناط، ولا إلى ما دخل في هذه الحوادث من معاني جديدة توجب تغير الاحكام، فهم لا يسألون هل يوسف عليه السلام أقسم على احترام الدستور الذي يقول: إن الأمة مصدر السلطات؟!! ولا يسألون هل كانت وزارة يوسف عليه السلام ملزمة بما يدين به الملك من تشريعات؟! وهل ... وهل ... ، كل هذا لا يعنيهم شيئاً، إنما هي الكلمات ثم القياس الأرسطي ليخرجوا بمثل هذا الفقه الغريب، ولذلك صاروا إلى جواز تحليل الكفر والشرك دون أن يعلموا، وصاروا جنوداً للكفرة والمحتلين، يضربون بسيوفهم، ويبسطون سلطانهم هروباً من أن يكونوا خوارج!!

ولسان حالهم يقول: خوارج ... أعوذ بالله، أما جنوداً للكافر ... فهذه مسألة فقهية.

((انها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور))

وبيان انحراف هذا الفقه الجديد يحتاج إلى مؤلف خاص لكن القصد بيان جهالات هؤلاء الفقهاء!! في الاستدلال وإجرام الأحكام، والا فكل مسألة من هذه المسائل فيها من الفروع التي يحتاج كل فرع فيها إلى مبحث فقهي مستقل.

﴿وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شيء عليم﴾

في هذه الآية دليل مع أنه لا تكليف إلا بنص، وأن الحكم بالضلال إنما يكون بعد بيان الهدى كما قال تعالى ((ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً)) ولقوله ((إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سوّل لهم وأملى لهم))، وقال تعالى ((ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون)) وقال تعالى ((وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً يتلو عليهم آياتنا، وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون)).

فهذه قاعدة قرآنية لا يجوز القول بخلافها كزعم البعض أن الفطرة حجة للعذاب والأحكام، أو قول بعضهم إن العقل حجة لذلك، فهذه أقوال لا ينبغي الالتفات إليها، هذا مع أن بعض قائليها ينتسب للسنة والفقه، وبسبب هذا الانتساب فقد قلدهم البعض جهلاً دون دراية وتبصر.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥١٧