اضاءة:-
ذكر أكثر المفسرين أن سبب هذه الآيات هي ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب لما مات كافراً، وهذا الحادث متقدم جداً، والسورة هي خاتمة أحكام القتال والعلاقة مع الكافرين، وفي هذا حكم عظيمة، وهي أن قضايا العبادة النسكية والاعتقاد لا تتبدل ولا تنسخ، والمقصود بالعبادة النسكية ههنا ما كان مقبولاً وغير مقبول، فالاستغفار للمشركين له حال واحد لا يتغير ولا يتبدل ولا ينسخ، لأن له تعلقاً بالتوحيد، وله تعلق بأحكام هؤلاء القوم يوم القيامة وبعد وفاتهم، فهي مع أنها أحكام إلا أن صلتها بالأخبار أقوى وأشبه، والأخبار في دين الله تعالى لا تنسخ، ثمّ إن هذا يبين أن ترتيب آيات القرآن- وهو توقيفي بالإجماع ولا قيمة للمخالف- له معنى يريده الله تعالى، وأن هذا الترتيب فيه حكم ربانية، مع بيان أهمية معرفة تاريخ الآيات لما في ذلك من فائدة النسخ وغيره، وهذا يدل على أن الآية القرآنية تقرأ من وجوه متعددة، فإنها تقرأ على معنى مستقل، ثم تقرأ على معنى سياقها وسباقها، ثم تقرأ على معنى تاريخها وسبب نزولها، وهذا كله من اعجاز القرآن، ومن هدايته التي قال فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ولا يخلق من كثرة الرد.
هذه القراءات التفسيرية لا يمكن أن تضطرب أو تتعارض معاني مخالفة لما استقر عليه فقه الشريعة، لكنها قراءات يؤكد بعضها بعضاً، وتفيد معاني علمية تجيب على أسئلة متعددة، وقد زعم بعض أهل الضلالة أن قراءة القرآن حسب تاريخ النزول يؤدي إلى انتاج فقه جديد يخالف فقه الأولين وما عليه الصحابة والتابعون، ولعلّ بعضهم شرع في هذه القراءة، وهذه السّبل هي انتاج واقع الهزيمة، وهو واقع ينتج حالة من الضعف أمام استعلاء الآخر وعلوه، مما يضطر المهزوم أن يسعى للتماهي مع انتاج الغالب الثقافي والاجتماعي، فهؤلاء قد استقر في اذهانهم أن مبادئ العصر هي مبادئ انسانية متطورة، خاصة ما يتعلق بالمرأة والفقه السياسي، ولذلك هم يسعون جاهدين لمحاولة ليّ الاسلام من داخله ليحقق لهم مبتغاهم في كونه يصلح للتوافق مع هذه المبادئ المعاصرة، واحدى السبل الشهيرة في ذلك هي قراءة القرآن قراءة تاريخية، أي باعتباره منتج لعصر من العصور، لا أنه كلمة الله للإنسان في كل وقت إلى قيام الساعة، وبعضهم يصرح بأن القرآن منتج ثقافي انساني لا دخل لله فيه، والآخرون يتسترون بكلمات الزندقة لستر هذا المعنى، فهم يزعمون أنهم لا ينكرون قدسية القرآن، ولا أنه كلمة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، لكن بمجرد أن قرأه الانسان وفسره فإنه انتقل من فضاء التقديس إلى فضاء الأنسنة، فكل ما قيل في تفسيره بعد ذلك، سواء كان هذا التفسير زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعده إنما هو انتاج انساني، ولذلك يحق للناس أن يقرؤوه اليوم قراءة مغايرة لما قرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفسره.
هم يلغون عربية القرآن، وأنه بيان بلغة القوم الذين نزل بلسانهم، وقواعد فهمه هي قواعدهم لا قواعد غيرهم، ويلغون كذلك نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن حياته وعمله هي التفسير الصحيح الوحيد للقرآن الكريم، ولذلك فالقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر كل القرآن هو القول الصحيح، لكن ليس على معنى ما فهمه المخالف وهو أبو حيان الأندلسي رحمه الله حين رد على ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة، اذ ظن أبو حيان أن مراد ابن تيمية حين قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر لأصحابه كل القرآن هو التفسير بمعناه الاصطلاحي في زمانه، ولو فهم أن التفسير هو إبانة المعنى على وجه من الوجوه العلمية أو العملية لأقر هذا المعنى وقبل به.