اسم الوزارة ليس علة للحكم، لأن معناه يختلف من حال إلى حال، فقد يكون هذا الاسم وصفاً لمجرد عمل من أعمال الاجارة، وأشبه معنى له ما كان يسمى قديماً بوزارة التنفيذ، ولقربه من معنى الاجارة أجاز بعض الفقهاء تولية الكتابي لها، لأنه لا ولاية له فيها على المسلمين، وقد يكون الاسم وصفاً لما هو أعظم من الاجارة، إذ يفوض له اجراء الاحكام والاجتهاد فيها في باب من أبواب الحياة، كالاقتصاد والمال، وهذه قد أجمع أهل العلم على عدم جواز تولية الكافر فيها لأن معنى الولاية فيها بين ظاهر، بل يكون فيها ما هو أعظم من ذلك من اختيار الأحكام والأقضية التشريعية، فلابدّ من تحقيق معنى الوزارة التي يُسأل الفقيه عنها ليبين حكم الله تعالى، فوزير الأوقاف الذي عمله يقوم على ادارة المساجد وأعمالها لو جرد من المعنى القانوني المعاصر لعمل الوزارة لكان عمله اجارة في باب مشروع، ومثله وزير الصحة ووزير المواصلات، وأمثال هذه الوزارات التي يقوم أصل عملها على فعل لا معصية فيه، لكن الأمر ليس كذلك في المعنى الدستوري لكلمة الوزارة، لأن المسؤولية بين الوزراء اليوم مسؤولية تضامنية، فإن أي وزير لأي وزارة من الوزارات هو مسؤول مباشر عن أي تشريع تؤمن به أي وزارة أخرى، وعندهم لا تصح ولايته لهذا العمل إلا إذا آمن بسياسة الحكمة كلها، وبما تؤمن به من تشريعات، فوزير الأوقاف ووزير الصحة لا تصح ولايته في أداء عمل وزارته إلا إذا آمن بتشريعات الحكومة في وزارة العدل ووزارة الخارجية، هذا أولاً، وأما الأمر الثاني، فإن الوزير- أي وزير- يجب عليه دستورياً أداء القسم الدستوري الذي يوجب عليه الايمان بالدستور وأحكام القانون في البلد الذي يتولى فيه الوزارة، والذين يتحدثون عن حكم الوزراة في زماننا لا يبحثون عن شرعية هذا البتة، بل هم فقط يتعاملون مع الألفاظ، إذ يقولون:- يوسف عليه السلام تول الوزارة في دولة حاكم كافر، إذاً يجوز تولية الوزارة اليوم في دولة حاكم كافر، فلو قيل لهم:- إن الوزير اليوم لا يصح توليته الوزارة حتى يسجد للصنم لاستهزؤوا بك، وكل ذلك لأن القوم فقهاء مجتهدون، وبعضهم يصرخ صباح مساء أنه على منهج السلف في الاستدلال والجتهاد.
ولمثل هذه الطرق الجديدة في الفقه عند هؤلاء فإنهم اجازوا الدخول في المجالس التشريعية بحجة الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بحجة أنهم معارضة كما يقولون، مع أن واقعهم الحقيقي في هذا الفعل هو وجوب الكفر والشرك حتى يجوز لهم الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحت هذه المؤسسة، ولاثبات ما أقول فإني أطلب من كل طالب علم يحترم عقله، ويحترم ما يعلم- ولو القليل من أصول الفقه والأحكام الشرعية- أن يقرأ أبحاث هؤلاء القوم، فهل يجد فيها تحقيق معنى هذه الأعمال عند أصحابها، أي كما أراد واضعوها، وأقصد كلمة الوزارة والوزير، ومثلها ما يقال له عضو المجلس التشريعي، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وليتصور الشيء لابدّ من معرفة حقيقته عن واضعيه لا كما تتخيله، لكن كل هذا لا يهم عند الفقهاء الجدد، لأن القوم تكفيهم الأسماء، ثم هم يضعون لها المعاني كما يتخيلونها، وزاد بعضهم تكرماً تذكير العاملين بوجوب استحضار النية الحسنة قبل العمل حتى يصبح الفعل شرعياً.
ومثل هذه المسألة ما كثر الحديث فيه عن تأشيرة الدخول- الفيزا- وهل هي عقد أمان أم لا؟ فكنت أقول للسائل: اذهب أولاً وأحضر معنى- الفيزا- عند أهلها في فقهم ودينهم، ثم بعد معرفة ذلك يمكن البحث عن الحكم الشرعي فيها، أما أن يتخيل ((الفقيه!!!)) معاني ذاتية لهذه المسائل الحادثة فيجيب عليها كما يتصورها لا كما هي في فقههم القانوني والدستوري فكل هذا جهل في طرق الاجتهاد ومعرفة الأحكام.