وأما قوله ((عدو لله)) فهي دليل على الاجماع الذي يحكيه الفقهاء وهي أن كل كافر محارب في الأصل، إلا أن يدخل في عقد مع المسلمين، وأما ظن البعض أن وصف المحارب يقابل كلمة ((المدني)) كما هو مصطلح أهل العصر فهذا جهل بلغة الفقهاء، وهو من باب حمل كلام العلماء على مصطلحات أهل العصر، بل على قوانينهم في التفريق بين المدني والمقاتل، ولذلك فقول أهل العلم عن دار الكفر أنها دار حرب يعني أن كل كافر فيها هو محارب سواء كان مقاتلاً أم غير مقاتل، وفي الآية أن كل كافر هو عدو لله، سواء كان معاهداً أو غير معاهد، لكن حل نفسه وماله إنما يكون بالحرب وهو أن لا يكون معاهداً أو ذمياً أو مستأمناً.
ولو كانت مسائل العلم تخضع لطرق جهلة هذه الأيام لكان قوله ((عدواً لله)) دليلاً أن كل كافر هو عدو مقاتل ومحارب، لأن كلمة عدو هذه الأيام لا يطلقها الناس إلا على المقاتل، لكن مسائل العلم لا تؤخذ بهذه الطرق الجاهلة التي يزعمها البعض، كما يفعل أحدهم من تسمية الكفار اخواناً أخذاً من قوله تعالى ((وإلى عاد أخاهم هوداً)) وغيرها من الآيات التي تتحدث عن أخوة النسب بين الأنبياء وأقوامهم، فلا يوجد أحد من أهل الأرض مسلم كان أو غير مسلم لو سئل عن رجل كافر له أخوة مسلمون أو العكس ينفي هذه الأخوة على هذا المعنى، هذا مع أنهم يقرؤون قوله تعالى ((إنما المؤمنون اخوة))، و ((إنما)) كما يقول أهل المعنى حرف حصر وقصر، أي أنها تجعل الأخوة قاصرة على معنى الأخوة، وهذه ولاشك أخوة خاصة، فقولهم ((اخواننا النصارى)) إنما يقولونه على معنى باطل، يوجب هذا المعنى علاقة ولاء اتخذوها بديلاً عن علاقة الايمان كالولاء على أساس الوطن والقطر.
والقصد هو بيان انحراف هذه الطريقة في الاستدلال، إذ الواجب تصور المسألة على حقيقتها قبل الحكم عليها، أما اتخاذ الألفاظ العامة وسيلة لإدخال الباطل فيها فهذه طريقة أهل الزندقة في تحريف كتاب الله تعالى والتلعب فيه.
وفي قوله تعالى ((وما كان استغفار ابراهيم لأبيه ... )) دليل على أن شرائع الأنبياء السابقين إذا ثبتت في الكتاب والسنة فإنها شريعة لنا ما لم تنسخ، ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتدى بإبراهيم في استغفاره لأبيه لقوله تعالى ((ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة ابراهيم حنيفاً وما كان من المشركين))، وقوله تعالى ((ومن يرغب عن ملة ابراهيم إلا من سفه نفسه))، وعدم القول بأن شريعتهم شريعة لنا مبطل لمعنى الاعتبار في ذكر أخبارهم في الكتاب والسنة، ومن تأمل أخبار الأمم السابقة الأنبياء السابقين في الكتاب والسنة يجد أن عامتها يدور حول أمور لا تنسخ كالدعاء والعبادة والتوحيد، أو حول أمور قصص الأنبياء في الدعوة إلى الله في أقوامهم، ولقد وجدت لأحدهم كلاماً غريباً لا ينبغي أن يقال، فهو في رده على المحتجين بعمل يوسف عليه السلام وزيراً عند الملك الكافر يقول: بأن هذه شريعة منسوخة، مع أنه يقرر أن عمل الوزير اليوم في ديوان ملك أو حاكم كافر هو كفر، وعلى قاعدته هذه فإن ما كان كفراً في زماننا لم يكن كفراً وشركاً في زمن يوسف عليه السلام، وهذا غلط شنيع لا يجوز لأحد أن يقوله، لأن الكفر لا ينسخ، وما كان كفراً في زمن آدم عليه السلام هو كفر وشرك إلى يوم القيامة، ورد أمثال هذا على جهالات أهل العصر في جواز تولي الوزارة في الدولة الكافرة لا يكون بالغلط، فإن الرد الباطل يقوي المردود عليه ولا يبطله، والصحيح أن الذين أجازوا تولي الوزارة اليوم للمسلم في الطوائف المرتدة استدلالاً بما فعله يوسف عليه السلام هم أبعد الناس عن الفقه، لأن هؤلاء يعلقون الأحكام على الألفاظ دون المعاني، وكيف لا يكونون كذلك وأكابرهم هم الذين قالوا بجواز تسمية الكفار اخواناً مطلقاً استدلالاً بجواز تسمية المسلم لأخيه الكافر: أخي، فكل هذا من الجهل بتحقيق المناط، ومع ذلك فيزعمون أنهم فقهاء وعلماء، وغيرهم جهلة.