وهذه العلاقات تنشئ محبة خاصة بين أهلها، ولكن لما كان هذا المجتمع يقوم على الايمان، وترسخت روابطه على أساسه وأساس الهجرة والنصرة، كان أمره سبحانه وتعالى بعدم اتخاذ ما هو ديني سبيلاً لهذه القضايا الخاصة، ومن ذلك الاستغفار، وقد تقدم هذا المعنى في قوله تعالى ((ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون))، فكان النهي هنا عن الاستغفار للمشركين إن بان كفرهم وشركهم حتى لو كانوا أولي قربى تميل النفس لمحبة الخير لهم، وهذه الآية تنهى عن الاستغفار مطلقاً لهم، أي انها تنهى عن طلب المغفرة، لأن هذا الاستغفار في حقيقته غير نافع عند الله تعالى، فلو استغفر المرء للمشرك فلن يغفر الله له، وهي تنسخ ما فهم من جواز الاستفغار لهم في قوله تعالى ((استغفر لهم أولا تستغفر لهم)) وهذا نسخ معروف في القرآن، أي نسخ الفهم حتى لو لم يكن النص يفيده، كما وقع في قوله تعالى ((لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير))، فقد فهم الصحابة رضي الله عنهم منها أنهم معذبون بما تتحدث به نفوسهم حتى لو لم يعملوه، فنسخ الله هذا الفهم بقوله ((آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا اصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين))، فالصحيح أن الآية لا تكلفهم ما فهموا منها، لكن لما فهموا منها ذلك جاء نسخ هذا الفهم، ذلك بأن الحساب غير العقاب، والله أعلم.
لكن ههنا مسألة، وهي هل يجوز الاستغفار للمشرك في حياته قبل موته على الشرك؟ ذلك بأن الآية تبين أن ابراهيم عليه السلام كان يستغفر لأبيه في حايته، وكما قال تعالى ((قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفياً)).
والجواب: نعم، لأن الاستغفار دعاء بالتوبة، وهي ممكن الوقوع مادام الرجل حياً، ولذلك يجوز الاستغفار لهم في حياتهم، فإن ماتوا على الشرك منع الاستغفار لهم، ولا يقال: إن استغفار ابراهيم عليه السلام كان له سبب خاص وهو قوله تعالى ((إلا عن موعدة وعدها إياه))، ذلك أن هذا الوعد لو كان غير جائز لمنعه الله منه، فإن الله سبحانه وتعالى لا يقر أنبياءه على أمر لا يرضاه، فقد عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم صلح الحديبية، ثم أمره الله تعالى بعدم إرجاع المهاجرات إلى أهليهم المشركين كما قال تعالى ((يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن، الله اعلم بإيمانهن، فإن علمتوهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار، لا هن حل لهم، ولا هم يحلون لهن)) وكذلك ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم من فداء أسارى بدر كما قال تعالى ((ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم، لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم))، فوعد ابراهيم عليه السلام لأبيه كان صحيحاً، ولذلك أذن الله تعالى له بالوفاء به، فيكون قوله تعالى ((إلا عن موعدة وعدها إياه)) وصف لا مفهوم له.
أما قوله ((فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه)) فهذا يدل على أن المرء إن مات كافراً على الظاهر، فهو كافر في الباطن ولا يجوز التوقف في ذلك، وحينها يجب تسميته كافراً والحكم عليه بالخلود في جهنم، وأما قولهم ((لا نحكم على أحد بجنة أو نار)) فهذه تعمل لأهل الاسلام لا لغيرهم من الكفار.