تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

النساء حتى إذا بلغت: ((فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً)) قال: ((حسبك)) فالتفت فإذا عيناه تذرفان.

ولقد كان حرصه على هذا الأمر في أصحابه حين ينفرون في الجهاد كما في غير الجهاد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة، فمر على جبل يقال له جمدان. فقال: سيروا هذا جمدان، سبق المفردون! قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: ((الذاكرون الله كثيراً))

وهذه هي صفة أصحابه رضي الله عنه فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا دخل البيت نشر المصحف فقرأ فيه، وهذا عثمان ذو النورين يقول:- لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتي علي يوم لا أنظر في المصحف.

وقيل لنافع: ما كان يصنع ابن عمر رضي الله عنهما في منزله؟ قال: لا يطيقونه! الوضوء لكل صلاة والمصحف فيما بينهما.

إنها صفة الربانية كما قال تعالى:- ((كونوا ربانيين)) فهم ينتسبون له جل في علاه، ولذلك إن أردت أن تعرف الفارق بين المهتدي وغير المهتدي، بين الموفق وغيره فانظر إلى علاقته مع الله، وإن أردت أن تنظر إلى قرب ما ترى من الجماعات والفئات من الحق فانظر إلى صناعة كل جماعة وبناء الفرد فيها، فحين ترى أقواماً يتدارسون كتاب الله في سرهم وعلانيتهم، وينقبون فيها عن حقائق الحياة والوجود، ويقرؤونه قراءة الصحابة المهتدين، ويتدارسون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لحل مشكلات أمتهم، وحين ترى عباداً لله، يتقربون إليه اخباتاً وعبادة، ويتقونه في أقوالهم وأعمالهم فاعلم أن هؤلاء هم أهل الحق، وها أنا أخبرك بتجربتي في هذا الأمر، وقد قدّر الله لي أن طفت بكل الفرق والجماعات المعاصرة، فخبرت بعضها خبرة المشاركة، وخبرت بعضها خبرة المقاربة والاطلاع عن قرب ومصاحبة، فوالله ما رأيت قوماً يعظمون كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يفعل المجاهدون في سبيل الله تعالى، ووالله اني ما رأيت مثلهم في العبادة والطاعة وقراءة القرآن، ولا رأيت مثلهم رغبة في الشهادة ولقاء الله، ولا رأيت مثلهم شجاعة وسماحة وبذلاً للمعروف، ولا رأيت مثلهم غيرة على الدين والعرض، ووالله إن عالمهم خير عالم، وعاميهم خير عامي، وعاملهم خير عامل، ووالله إن طالب الدنيا فيهم لا يلبث أن يكشف الله ستره وينقلب على عقبيه، وأن الجبان الذي يأتي إليهم ما يلبث أن يعرى فيفر كالأرنب، وما رأيت فيهم إلا قصصاً للشهادة بتهرك، وحوادث للشجاعة تعيد لك سيرة السلف، فلله درهم من شباب هم النور في وسط الظلمة، وهم الهداية وسط الضلال، وهم السنة وسط البدعة، وكفى بهم صدقاً أن قادتهم يموتون موت الشهادة، ويبذلون أكثر من الأتباع، فهل غيرهم كذلك؟!

تأمل وانظر، واصدق مع الله قبل أن يأتي الأجل وحينها ((وحصل ما في الصدور))، فلن ينفعك تزويقات الألفاظ، ولن يدافع عنك فقيه عليم اللسان جاهل القلب، ولن تسترك كل حجج الجهل التي يلقيها الشيطان على ألسنة القاعدين والخالفين.

انظر إلى ما أنت فيه وأنت مقيم مع الدنيا وبدع الأقوال والجهالات، فهل ترى دمعاً لعينيك حيم تقوم بين يدي الله؟! وهل تحس بكلام القرآن يلامس قلبك؟! وهل تحس بندم شديد إن فاتك قيام الليل؟ وهل تحسد الشهيد حين يمشي إلى ربه وتتمنى أن تكون مكانه؟ وهل أنت في ميزان الأعمال تدرك قول الحبيب المصطفى ((لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إليه إلا الله والله أكبر أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس)) إن لم تكن كذلك فكيف ترضى قلبك حكماً في ذروة سنام الاسلام التي هي أعظم الامتحانات بين حب الآخرة وحب الدنيا؟!

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥١١