تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا لا يعني أبداً أن الأمة خالية من المسؤولية إذا استجابت لهذه اللعبة، فألقت حركة الجهاد على الحاكم والمفتي بل هي كذلك تتحمل مسؤولية الاثم في هذا التقصير، لأن واقع الحال أن استجابتها كان فعل هوى لا تقوى، فهناك بؤر جهادية كان قدر الله فيها أن بان لها فريضة الجهاد العيني ومع ذلك هربت من هذا التكليف، ولذلك هي تعلم أن الهوى هو الذي غلبها، لا تقوى الله وبذل الجهد في تحقيق مرضاته.

﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾

الجهاد في سبيل الله تعالى فعل ومهمة الأمة جميعها، وهو صورتها الجامعة في الوجود وفي الحياة، وهو هيكلها العام أمام الآخر، وأما صفات هؤلاء الأفراد الذين ينتظم بهم الجهاد في سبيل الله فهي هذه التي ذكرت في هذه الآية العظيمة، ذلك لأن الجهاد في سبيل الله تعالى بناء رباني، وفعل إيماني، لا يستقيم فيه إلا أفراد لهم خصوصية البناء، ولهم أسرار العلاقة مع الله، لأنهم يعلمون أن الجهاد ليس تنفيساً للحق، ولا حركة ثأر، ولا زفرة غضب، ولا مرضاً مدمراً، بل هو عبادة الله، يمضي فيه المجاهد لا يبتغي دنيا، ولا يسعى لمنصب، بل هو ذاكر قارئ لقوله تعالى ((تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين))، فهم مع الآخر ((يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون)) ولكنهم إن خلو لأنفسهم مع ربهم فهم عباد قانتون، يراقبون الله في حركاتهم وسكناتهم، قلوبهم قوية لكنها ليست قاسية، بل هم تائبون من ذنوبهم إن أخطأوا، ولا يصرون على ذنوبهم استكباراً واباءً كما يفعل الجاهلون، وهم عابدون لربهم، لهم صلاة في العلن مع الجماعة، وصلاة في السر في بيوتهم وفي ليلهم، ولهم أذكار وأحزاب يمضون بها أوقاتهم إذا خلو لربهم، وهم تحت لواء الحمد وراء حبيبهم محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه هو صاحب هذا اللواء العظيم يوم القيامة، وهم صائمون راكعون وساجدون وآمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، لا يتعدون أوامر الله، ولا يخفرون ذمته، ولذلك هم المؤمنون الذي يستحقون وعود الله للمؤمنين.

فلهم قسمتان؛ قسمة مع اعداء الله وفي الحياة وهي الجهاد، وقسمة تقويم الذات بالطاعة والانابة والاخبات، فهذه صورتهم إن رأيتهم لا يعرفون إلا بها، والذين يحاولون صناعة المرء المسلم على غير هذه الصورة هم جهلة، لن يحققوا خيراً لهذه الأمة، لأن هذه الأمة لا يصلحها إلا الدين، ولا يقودها إلا عباد ربانيون، ولا يجمع الله شملها إلا قوم لهم سر الإخلاص بينه وبينهم، لأن هذا هو ما يصنع الحب في القلوب، وهذا الدين يقوم على الحب لا على أمر آخر بين الجنود والقادة، وبين الأئمة والأتباع، ولا يكون هذا الحب إلا بالعبودية الخالصة لله؛ بإقامة الفرائض واجتناب النواهي والمعاصي، وكثرة النوافل، حتى يحب الله فاعل ذلك، فإذا أحبه نادى الله جبريل أني أحب فلان فأحبه فيحبه ثم يوضع له القبول في الأرض، وهذا هو الحكم الذي قال الله في كتابه ((وآتيناه الحكم صبياً)) فإن هذا هو حكم القلوب، وهو الإمامة التي يحصل بها الاتباع والبذل والتضحية.

إن أمام العاملين لدين الله تعالى، وإمام المجاهدين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو إمامهم في الاخبات والعبادة، فقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تفطرت قدماه، فقيل له: أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال:- ((أفلا أكون عبداً شكوراً))، وهو الذي يبكي إذا سمع كلام الله تعالى قال ابن مسعود رضي الله عنه:- قال لي رسول الله: ((اقرأ علي)) فقلت: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال ((إني أحب أن اسمعه من غيري)) قال: فقرأت سورة

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥١٠