تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لصناعة الأمة على معنى جديد، لابدّ من ادراك مقومات هذه الأمة في الصدر الأوّل، ولابدّ من النفاذ إلى الفعل الذي يمثل أرقى جامع لحركة هذه الأمة، وهو في نفسه عمل ارادة متحررة، تنطلق من علم مهدي موفق، فنحن في زمن لا نبحث عن اصلاح طائفة، ولا تغيير فئة، بل إن المشكلة هي مشكلة أمة، وقضيتها الأعظم تتعلق بإطارها العام، وصورتها الكلية في الوجود، وحين تتفاقم الأزمة إلى هذا المستوى يكون من الجهل الحديث عن الفرعيات، بل لابدّ من قذف الأمة أمام مسؤوليتها الكلية، وهذا فعل العظماء في كل الأمم، فحين تتعرض أممهم للإفناء، وحين تواجه مشكلة وجودية كلية فإنهم يقذفونها إلى أقصى ما يطلب منها، وعلى هذا الأساس تبدأ حركات الانبعاث والاحياء، وهذا ما تحتاجه الأمة اليوم، إذ أن كل ما قيل لاحيائها هي دعوات سكونية داخلية، ولم يدرك القوم أن الاصلاح الداخلي لهذه الأمة إنما يكون بتحميلها مسؤوليتها أمام الوجود والآخر، لأن سبب الفساد إنما هو الركود الذي ينشيء العفن، وحين تتحرك الأمة للآخر يكون صلاحها الداخلي، ولهذا يجب ازالة معوقات هذا الانبعاث وخاصة هؤلاء الطواغيت ومن سار معهم من السحرة الذين يفسدون على الناس دينهم، وهذه القضية ليست عقلية تخط على الورق فتثير جمالاً لغوياً أو خطابياً، بل هي قضية علم قلبي وعمل ارادي، تتعلق قضاياها بأصول عامة يدركها العالم والعامي، ويتفاعل معها المسلمون جميعاً لأنها تلامس قلوبهم وكافة مستويات علومهم، فالذين يعقدون القضايا السهلة، والذين يظنون أن المشلكة تتعلق بآلة العقل من حيث قوته وضعفه، أو بمستوى الفهم من حيث هو قاصر أو عامل هم مخطؤون، ولذلك على العلماء والمجاهدين أن يدفعوا الأمة إلى الفعل المهتدي، وإلى الجهاد من خلال الأصول الكلية، وهي التي تدركها كافة العقول، وتتفاعل معها جميع المستويات في الأمة الاسلامية، أي ربط الجهاد بالاسلام كما هو شأن القرآن، ووضع مخالفي الجهاد في اطار النفاق ومرضى القلوب، ورفض ادخال هذه القضية في مسائل الخلاف العلمي، لأنها ليست كذلك أولاً، ولأن ادخالها في هذا الباب يعني أن يصبح الجهاد قضية نخبة استطاعت فهم دقائق الخلاف الذي يطرحه الطرفان، وهذا يعطي للأكثرين حجة الهروب من الجهاد وتكاليفه، وهو ما يسعى إليه مخالفو الجهاد وأتباعهم من أصحاب الارادة المريضة.

قضية الجهاد في القرآن واضحة صريحة، وهي معروضة بحروف أكبر من التأويل والتحريف، ولذلك سيسعى المخالفون إلى اخراجها من هذا الأفق القرآني العظيم إلى مضايق فقه النخبة، وإلى ألفاظ المصطلحات الخاصة ليصيروا إلى مقالتهم الجاهلة: إن الجهاد مسؤولية العلماء، فهم من يعرف مصالحه، وهم أصحاب القرار فيه، وبذلك يدفعون الأمة خارج الحوار الحق، ويعطلونها من أن تتحمل مسؤوليتها التي كلفها الله به، ويرفعون القرآن الكريم وهدايته من حل هذه القضية، وهذا من أبطل الباطل، ويزيده بطلاناً أن هؤلاء الذين يسحبون قضية الأمة وجهادها هم الجزء الأكبر من المشكلة، وهم أصول كثير من البلاء، لأن معوقات الجهاد هي الجبن والبخل وانحطاط الارادة، والحال ينبئ أن هذه الأمراض لها مستقر في هؤلاء الذين هم أجراء وموظفون عند الطواغيت والسلاطين، وهم أعجز من أن يخالفوهم في قضايا يسيرة، فكيف في أمر هو في الأصل يتوجه إلى ازالتهم وعزلهم؟!

الجهاد في سبيل الله تعالى فعل أمة، ومقرر في الفقه أن الحاكم إذا قصر فيه عُزل، فكيف إذا حرمه أو قاتل من يدعو إليه؟! ولذلك هناك شقان للمشكلة إنْ رفع الجهاد في أصله من كونه فعل أمة إلى فتوى؛ أولاهما تتعلق بالمرتدين وهم طواغيت الحكم وثانيهما: كل منافق عليه اللسان.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٠٩