تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومجاهداً في علمه، ومجاهداً في ارادته، لأدركوا أن هذا مع وضوحه علماً إلا أنه يستغرق الحياة، ذلك بأن أشق تربية في الوجود هي تربية الجهاد، وأشق سبل الحياة هي سبيل الجهاد، ولو جرب الناس كيف يدار الجهاد عملاً، وكيف أن ظرف الجهاد؛ رجالاً، وانتصاراً، ورضات واخفاقات، وإدارة أزمات لعلموا حقاً قيمة هذا الفعل العظيم، بل الحياة العظيمة، لكن الأمور في نفوس القوم على غير هذا المعنى، لأنهم فهموا منذ زمن أن الجهاد مهنة قوم داخل دولة الاسلام هم الجنود، لهم أجورهم وشاراتهم، أما هم وبقية المسلمين فلا دخل لهم فيه، فلما استقر هذا المعنى الموغل في الجهل في النفوس، وصار أمر الحكام إلى ما صار إليه من الردة والضلال والإفساد لم يستطع هؤلاء إعادة صياغة الأمة، ولا إعادة التكليف إليها، ولضعف نفوسهم هم، وجبنهم من تحمل المسؤولية، ولجهل الكثير منهم قواعد الشرع في بناء الأمم واحيائها فإنهم ذهبوا إلى مهمات فرعية وجدوها سهلة ميسورة في الأمر، فهذا غارق في الكتاب، وآخر قد تماهى عمله مع الواقع إلا بتحسين رتوش وتزيينات، ولم يقم لأداء المهمة في قذف الأمة أمام مسؤوليتها، وتحميلها واجبات الشرع التي هي عليها في قضايا الوجود والحياة إلا أهل الجهاد، ولذلك كانت الصدمة عليهم كبيرة، فذهبوا يختبؤون من آثارها، لأنها بحق أكبر من علومهم، وأكبر من هممهم، فإن الواحد منهم أقصى ما يمكن أن يبذله كلمة حق يتوقع أن ينال منها الملامة، لأن هذه الكلمة لا تواجه أصل الباطل، ولا تزلزل قواعده، ولا تسب دينه الجاهلي، بل هي كلمة ضربت على القشر الظاهر، ولم يقلها صاحبها حتى اعتذر لها الف اعتذار، ومهد لها القواعد والأصول أنه على دين الرجل، وأنه من أوليائه، وهو من المحبين له في السر والعلن، فكيف لهؤلاء قبول صدمة الجهاد العالية، والتي هي قمة المواجهة مع الطواغيت والجاهلية. وقد صدق ابن مسعود رضي الله عنه حين قال: كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويهرم فيها الكبير، وتتخذ سنة، فإن غيرت يوماً قيل: هذا منكر؟ قيل: ومتى ذلك؟ قال:- إذا قلت أمناؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقلت فقهاؤكم، وكثرت قراؤكم، وتفقه لغير الدين، والتمست الدنيا بعمل الآخرة.

إن الجهاد ثقافة حياة، وعمل أمة الاسلام، وهو الفارق بين منهج السنة ومناهج البدعة، وهو محك القلوب حين يبين فيها المنافق من المؤمن، وها هو واقعنا يثبت هذا كله، إذ كلما أتى أهل الجهاد بأعمالهم الايمانية تكشف حقائق الناس، وبان لهم ولغيرهم أين هم من آيات القرآن الكاشفة لمثل هذه المراتب، فوالله لو لم يكن للمجاهدين إلا فضيلة تعرية الناس أمام أنفسهم لكفى بما يقومون به فضيلة، إذ كيف لا يستحيي رجل أو أقوام يتحدثون عن الخلافة التي تطبق على الأرض، وتكسر جموع الكفر والشرك، ويصرخون ليل نهار بمآثر الرجال الذاهبين في صناعة التاريخ الماضي لهذه الأمة من أبي عبيدة وخالد وصلاح الدين وهم أجبن من يتحملوا ردة فعل الجاهلية لما تألمت من ضربات المجاهدين في حدث أو حدثين؟!

لقد علم الناس مراتب أنفسهم، ومراتب قادتهم، فاستكان منهم من استكان إلى ولي له، وإمام يرتضيه يبرر له الجبن والقعود، ويحسن له مقام القاعدين والخالفين، ويتقي بماله من لسان حاد على أهل الإيمان ما يعلمه من نفسه أنه جبان بخيل لا يقدر على هذه المواجهة الشديدة القاسية، ذلك لأنه دعي منذ أول يوم إلى جماعة يرى أن أقصى ما تطلب منه أن يحضر محاضرة، أو يصرخ صرخة تطالب بتحسين الحال، أو ترميم الطلاء المتهالك في بناء الجاهلية، فجاء المجاهدون ليفرضوا على المسلمين ايقاع الموت والشهادة والابتلاء، فأدركوا أنهم ليسوا أهلاً لهذه المواجهة الكبرى، فبدل أن يشكروا للمجاهدين صنيعهم ذهبوا يرمونهم بشتى التهم دفاعاً عن أنفسهم حين علموا جبنها وخوفها من قول الحق ومدح الصالحين.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٠٨