تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى النفير لو كان فيها الخير، فربنا سبحانه وتعالى لا يكرهه أحد، فهو الرب العظيم، وما سواه خلق له جل في علاه، ثم هو يقول عن نفسه الكريمه ((وعداً عليه حقاً))، فهو سبحانه يلزم نفسه هذا الالتزام الشريف الجليل العظيم، لأن هذا الذي باع نفسه لله عظيم الشأن، جليل القدر، ويستحق أن يلقي عليه هذه الكلمات التي تحوي الوعد العظيم.

وهذا الوعد ليس كائناً هذا اليوم، بل هو وعد سرى في تاريخ الأنبياء الذي فرض عليهم الجهاد، منذ موسى عليه السلام، وقد دخل فيه كل سلاسل الذهب من المجاهدين في سبيل الله تعالى مع كل الأنبياء بعد ذلك، فكان وعد عظيم، وانتظم في كتب عظيمة، وحمله رجال عظماء، ثمّ مازال كتاب الولاية مفتوحاً يستقبل أسماء الذين يصدقون وعد الله، وتطير نفوسهم إلى الجنان، ثمّ إن سقطوا شهداء رأيت –والله- بسمات الاستبشار التي كانت كامنة في قلوبهم وقد ظهرت على وجوههم لما رأوا صدق ما وعدهم الله به.

ثمّ إن هذا البيع لجميع المؤمنين، فكل مؤمن قد باع نفسه لله، والله قد اشتراها منه، فكان القتال صفة لهم جميعاً لو كان أهل الاسلام يعقلون، فكيف بعد هذه الآية الصريحة في هذا المعنى يقول قوم إن الجهاد عمل طائفة دون بقية الناس؟! ثمّ كيف يجوز لقوم أن يقيلوا أنفسهم من هذ البيع فيذهبون ذات اليمين وذات الشمال ليتخذوا لأنفسهم أعمالاً بعيداً عن هذا السلك الذي ينتظم فيه أهل الإيمان جميعاً؟

إن هذه الأمة قد قصّرت في هذا كثيراً، حيث تركت الجهاد في سبيل الله، فصارت هذه الفريضة الربانية قاصرة على فئة منهم، إذ حملها أهل الطائفة المنصورة، وهم مع قلتهم يأتون بالخيرات العظيمة، ويبطلون مقاصد المشركين في أمة الاسلام، ويضيعون حركة التاريخ، فتفكر لو أن أمة الاسلام أخذت بهداية القرآن وتحولت كلها إلى أمر هذه الآية ((يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون)) كما كان الأمر زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده في زمن الخلفاء الراشدين وصدراً طيباً من الدولة الأموية، حيث جاشت حركة الجهاد أمواج خير تجوب الأرض، وتسير حاملة راية الهداية ومشاعل النور، فتهاوت أمامها دول الكفر، وازالت عن الأمم شر الطواغيت، فدخل الناس في دين الله تعالى أفواجاً، ثمّ أمام هذا كله ما زال الناس يتساءلون: لماذا صرنا إلى هذه الحالة من الهوان؟! ولماذا صرنا كالقصعة أمام اللئام؟!، ولماذا صرنا نهباً لكل أمم الأرض؟! والعجب بعد ذلك من أجوبة البعض، فهذا رجل يريد احياء الأمة بكلمات ميتة، وآخر يريد لها أن تقطع أنفاسها وهي تقرأ كتب المفكرين!! وجماعة ترى أن المشلكة في عدم تحقيق الأمة مسائل الخلاف التي هي اختصاص العلماء، وآخرون يرون أن المشلكة ذهنية فلسفية، وهكذا يضربون في التيه، ويتخبطون في الظلمات، وحالهم كحال الساقط في بحر الرمال كلما تحرك كلما ازداد غرقاً فيها، ووالله أن معالم الكتاب أوضح من أن تكون خفية في هذا الباب، وشواهد التاريخ في بناء الأمم والدول والحضارات بينة جلية لمن أراد الحق، والعجب من هؤلاء أنهم يأتون إلى أسباب هلاك الأمم وتفرقها فيجعلونها سبباً للنهضة والإحياء، فتحول عندهم المرض إلى علاج، ولو رجعوا إلى كتاب الله تعالى وإلى صفات الصدر الأول الذين قامت عليهم قواعد الاسلام، ولو آمنوا حقاً بمقولة الامام مالك: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها، ولو أخذوا بسنن الحياة في البعث والاحياء لعلموا أن هذه الأمة لا تنهض إلا بالجهاد، لأن الجهاد حالة علمية تستعلي على بنيّات الطريق، وترتفع على المهاترات الكلامية الفارغة، فتنتفذ إلى العلم الحق، وهي حالة بعث للإرادة الخاملة، وفك للعقول والقلوب من أسر الجهالات العلمية وروابط النفاق والتخذيل، ولنصدق المقال فإن ما يقال لهم أهل الفكر والفقه والنظر في أمتنا لم يفهموا معنى الجهاد، إذ ظنوه فعلاً ومهنة، أي لا دخل له في البعث العلمي والعقلي والنفسي، فغفلوا عن معنى صياغة الجهاد، وكيف يصنعه مجاهداً في نفسه،

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٠٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٠٧