تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك حتى يبذل وسعه أن يكون على سبيل الجهاد وطلب الشهادة، ولا يعرف عن صديق أو ولي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو مجاهد لله تعالى، لكن الشهادة اصطفاء آخر لهؤلاء الأولياء.

في هذه الآية حين يقدم الله معنى العقد بينه وبين المؤمنين، ثمّ يجعل واقع هذا متمثلاً في صورة الجهاد والقتال، فهم يقتلون أعداء الله، ويُقتلون شهادة في سبيل الله الذي في قلوبهم همّ رضى الله وتحصيل المراتب العالية في الجنان سلوك هذا السبيل، وكل عمل آخر من أعمال النسك كالصلاة والصوم والذكر والدعاء والاخبات هي أعمال تندرج في مهمة الحياة الأولى للمؤمنين، وهي الجهاد، فالجهاد هو العمل الذي أخرج هذه الأمة من أجله، فهم إما عاملون به فعلاً، وإما يعدون له، وإما ردء لآخرين هم فيه، وخلال هذا العمل الذي وقفوا أنفسهم له هم عابدون ذاكرون كما سيأتي في الآية التالية من صفاتهم.

فعمل المسلم في هذه الحياة هو الجهاد، وأنه جندي لله تعالى لأنه عبد له، وهو إما قاتل وإما مقتول كما قال تعالى ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً))، فهذه هداية القرآن لمن أرادها، وهذه طريق الولاية لمن في قلبه حب لحصولها وبلوغها، أما هؤلاء الذي يتعاملون مع الاسلام مجرد أفكار جميلة، يتمتعون في الحديث عنها، ويشعرون بصوابها أمام غيرهم، دون أن يفهموا أن الاسلام عبودية لله، وأن الإيمان به يعني أن يبيع المرء نفسه لمولاه، وأن يحضر نفسه لقتل وقتال، وهجرة وشهادة، وبلاء وانتصار فهؤلاء مصيرهم غياب معنى الاسلام من القلوب، ولذلك فأنت لا ترى حديثاً في اجتماعاتهم وكتبهم وبرامجهم عن طرق تحصيل ولاية الله، ولا حديثاً عن الجنة، ولا حديثاً عن النار، بل لو أراد أحدهم أن يتحدث عن هذه الأبواب لسخر منه كبراؤهم، ولاستهجنوا توجهه، ولذلك يقومون للصلاة وهم كسالى، ولا يذكرون الله إلا قليلاً، ولا ينفقون من أموالهم إلا على شهواتهم وألبستهم وأهوائهم، ولو استنفرتهم قيادتهم لمكرمة من مكرمات التضحية والجهاد حيث يخرجون فلا يرجع إلا القليل لما وجدت نافراً إلا القليل، لكنهم أصحاب ألسنة طويلة، يحسنون لوك الكلمات عن الفكر والتفكير، والعقل والعقلانية، ثم هم يستهزؤون في أحاديثهم عن هؤلاء الذين شغلت قلوبهم بالطاعة والجهاد وتحصيل الجنان، ولا يأنفون من تسميتهم بالدراويش والبله والمغفلين، أما من يسهر ليله ضاحكاً، ويمضي نهاره قطرب الحركة، باحثاً عن زلات العلماء ليتخفف من أعباء العبادة فهم أصحاب الفهم والعقل!! وهذا سبيل من طمس الله على قلبه وعقله وهم لا يشعرون.

هنا ليطمئن هؤلاء الذين باعوا أنفسهم لله، وليستيقن المقبلون على الله بالجهاد والشهادة أنهم في عهد وثيق، وأن الله عز وجل لا يضيعهم، فإن رجع الناس إلى أموالهم وأهليهم، وإن زادت تجارة التجار، وأموال الساعين، فإنهم هم من ربح وفاز، لأن صفقتهم مع الله تعالى هو كما قال عن نفسه ((ومن أوفى بعهده من الله)).

فهذا عهده جل في علاه قاله لعبيده في كتبه، في التوراة والانجيل والقرآن، فما عليكم إلا أن تفرحوا أنتم دون غيركم بهذه الصفقة، لأن وعد الله حق كما قال سبحانه ((يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور))

﴿وعداً عليه حقاً في التوراة والانجيل والقرآن﴾

إن الناس يكتبون عقودهم في أوراقهم، ويسجلونها في حساباتهم، لكن هذا عقد شريف، رفع الله درجته بأن كتبه الله في كلماته التي أنزلها، ووالله الذي لا يحلف إلا به إن هذه الكلمات الربانية لتهز القلوب لو كانت تعقل، وانها لتهيج النفوس

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٠٦