تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قوله تعالى ((اشترى)) لأن النفوس بضاعة، وهي أغلى بضاعة في الوجود، ولابد لصاحبها من بيع كما في الحديث:- ((كل الناس غاد، فبائع نفسه فموبقها أو منجيها))، ولما كانت الأشياء للانسان كما قال تعالى ((وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه)) ولقوله ((هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً))، كان لابدّ لهذا الانسان أن يكون لله تعالى، ولذلك فأول أمر في القرآن الكريم هو قوله تعالى: ((يا أيها الناس اعبدوا ربكم)) كما في سورة البقرة، وهي دعوة كل الأنبياء، فحين يبيع المرء نفسه لله يصبح عبداً، وهو ببيع نفسه ظاهراً وباطناً، وفي سره وعلانيته، وفي صحوه ونومه، وفي حياته ومماته كما قال تعالى ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين))، وقد ركب الانسان على الفقر والحاجة، فهو أسير لهما مما يجعل منه عبداً، فإما عبودية لله، وإما عبودية لغير الله، ولذلك كان من الشرك أن يخضع المرء لأوامر هواه التي تضاد أمر الله تعالى كما قال تعالى ((أفرأيت من اتخذ إلهه هواه))، فالمرء قد يكون عبداً لهواه كما قال تعالى ((ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين))

حين يكون المرء عبداً لله فهذا يعني أن يكون عبداً لواحد لا عبداً لشركاء متشاكسين كما قال تعالى ((ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ورجلاً سلماً لرجل هل يستويان مثلاً))، وهذا الرب رحيم بعبده، لا يأمرهم إلا ما فيه وسعهم، وما فيه خيرهم، وهو حسبهم وكافيهم، لا يتخلى عنهم وقت حاجتهم، ثم لهم السعادة في الدنيا والآخرة، وأما الآلة الباطلة فهي متشاكسة متضاربة، ستعذب من خضع لها، إذ كل اله سيطلب مطالبه، ثم حين السؤال لا يقضي حاجته كما قال تعالى ((ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداءً وكانوا بعبادتهم كافرين))، فهم في الدنيا غافلون عن مطالبهم، ويم القيامة لهم أعداءً، وقال تعالى ((ذلكم الله ربكم له الملك، والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير، إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبؤك مثل خبير))، وقال تعالى فيهم وعن صنيعهم بأوليائهم عند نزول عذاب الله عليهم في الدنيا ((ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد، وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب)). وهذا المعنى كثير في كتاب الله تعالى.

فالمؤمنون علموا أن هذه النفوس إنما خلقت لتكون لله تعالى فباعوها، فقبل الله منهم صفقتهم فاشتراها، وكذلك الأموال هو الذي أعطاها لعبيده امتحاناً لهم كما قال تعالى ((ونبولكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون))، فنجحوا في الامتحان فباعوها لله تعالى، وهذه الآية هي الوحيدة في القرآن التي يقدم الله تعالى فيها النفوس على الأموال ((إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم)) وهذا لكرامة النفوس في هذا الموطن.

هذه الصفقة العظيمة الجليلة كان خلاصتها أوضح ما يكون في قوله تعالى ((يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون))، وهذا دليل لمن عقل أن هذا الباب هو أعظم أنواع الولاية لله تعالى، وهو أقوى دليل على صدق الانسان في صفقته مع مولاه، ولذلك فإن المجاهدين هم أولياء الله حقاً، وطريقهم هو أقرب الطرق لتحصيل رضى الله تعالى، وأن درجاتهم لن يبلغها العابد في نسكه، ولا الصائم في صيامه إلا على معنى خاص لا يمكن للمرء أن يأتيه حياته كلها، ولذلك قال تعالى ((والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون، والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم))، بل إن الصديق لا يكون

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٠٥