﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم، التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين﴾
مقابل كل هذا الخط المنافق، وأمام كل هذه الصفات التي كشفها الله للمنافقين هناك للمؤمنين جمعه الله تعالى في هذين الآيتين، وقد أكرم الله هذه الأوصاف وأهلها بأن افتتح هذا الوصف بأعظم اكرام لها وهو أنّ الله قد قبل دخولها في عبوديته، وأعظم لها المقام بأن صارت له وحده في علاه، فإذا كان هؤلاء المؤمنون قد باعوا نفوسهم لله فإن الله قد اشتراها ليكون لهم الجنة.
هذه النفوس قد خلقها الله، فهو مالكها ابتداءً، ولكن اقتضت حكمة الله تعالى أن يركب فيها نوازع التملك والهوى والشهوة، وهي نوازع تدفع الإنسان أن يكون خادماً لها، مطيعاً لأوامرها، فبهذا صار الإنسان ملكاً لها، فلما جاءت دعوة الحق بأن تلتحق من هواها وشهوتها ورغباتها إلى حظيرة العبودية سارعت مجاهدة لهذه المعوقات، راغبة في تحقيق رضا الله على رضاها، ومشمرة أن تستجيب لأمر الله على أوامرها، فبهذا كان هذا بيعاً لها.
ثم كان إكرام الله لها بعد أن وفقها أن صارت عابدة له أن أعطاهم كرامة عظمى، ألا وهي الجنة، وقد جاء في الحديث: ((لا يدخل أحدكم الجنة بعمله))، مع أن العمل سبب لدخول الجنان كما قال تعالى ((ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون)) وقوله تعالى ((كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون)) وآيات أخرى دالة أن العمل سبب لدخول الجنة، فيكون معنى الحديث ((لا يدخل أحدكم الجنة بعمله)) أن الجنة ليست مقابل العمل، كما يقال ((المبيع مقابل الثمن))، ذلك لأن عبادة الله سبحانه وتعالى حق له، ويقابل هذا الحق أن لا يعذب هذا الطائع كما في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: يا معاذ بن جبل، قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال:- هل تدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سار ساعة ثم قال:- يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال:- هل تدري حق العباد على الله إذا فعلوه؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ((حق العباد على الله أن لا يعذبهم))، فلم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم أن حقهم الجنة، بل جعل حقهم أن لا يعذبوا، فالجنة ليست ثمناً للعمل، بل هي نتيجة له، والعمل سبب لها، لأن كل ما يقع في هذه الحياة الدنيا، وكل ما يقع في الآخرة لا يكون إلا بسبب، قد يعلمه الخلق، وقد يجهلوه، كما شأن الإصطفاء، فإن الله اصطفى قلوباً، وهذا الإصطفاء لسبب ما فيها من الاستعداد للخير، لكن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلقها على هذا المعنى، فإن سئل المرء: فما هو سبب اختيارها ليكون فيها هذا المعنى ليقع عليها الاصطفاء؟ فالجواب هو السكوت لأنه لا يوجد أحد من الخلق يعلم حقيقة هذا الغيب، والشأن في ذلك كالشأن في الروح كما قال تعالى ((ويسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي))، فالخلق لا يعلمون حقيقتها ولا ما هيتها، وكذلك بعض الأسباب لا نعرف حقيقتها ولا طرق عملها، لكن اقتضت حكمة الله تعالى أن لا يقع شيء إلا بسبب، فكانت طاعة العباد هي سبب دخولهم الجنة، لا لكونها حق لهم حين أطاعوا ربهم، لأن حقهم كما جاء في الحديث ((أن لا يعذبهم))، ثم إن الجنة تكون رحمة من الله لهم كما في الحديث.