تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أورثهم بناء هذا المسجد الخبيث نفاقاً وكفراً وريبة في قلوبهم، وسيبقى فيها ماداموا أحياء حتى يموتوا، ذلك أن هذا الفعل المجرم ملأ عليهم جوانحهم كما ملأ حب العجل قلوب بني اسرائيل كما قال تعالى ((وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم))، هكذا قال أهل التفسير.

وهذه سنة الله في الشر، إذ أن أثرها يبقى إلا أن يتوب المرء، ويحسن توبته، ويكثر من الأعمال الصالحة التي تذهبها من قلبه، فالشر ليس سيئة يحاسب عليها المرء في الآخرة فقط، بل هي نكتة سوداء في القلب كذلك.

وفي هذه الآية جعل الله الرّيب وأثره في القلوب منوطاً بالبناء، ولذلك أمر الله بتحريقه، لأن إزالة البناء عن العيان، يذهب الكثير مما علق في القلوب منه، ومنه يؤخذ هجران أماكن المعصية التي ألفها المرء حتى يقطع عليه البعد أثرها عن قلبه، وفي الآية كذلك بيان أثر هذا الجرم والذنب على أهله الذين بنوه، ولم يذكر الله أثره على المؤمنين، لما كان من فضل الله للمؤمنين بكشفه وإزالته، فزال أثره في الواقع، ولكن بقي هذا الأثر على قلوب بنائه كما قال تعالى ((ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله)).

إضاءة:-

قضية مسجد الضرار هي جزء من غزوة تبوك، فقد طلب المنافقون من النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة فيه قبل توجهه إلى تبوك، فوعدهم أن يفعل إن قفل من الغزوة، ثمّ إن أبا عامر الفاسق أمر أتباعه فيه أن يعدوا فيه السلاح والرجال، ذلك أنه ذهب إلى هرقل قبلاً واستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم فوعده ومناه، فأرسل إلى المنافقين يقويهم أنه سيأتي بجيش يقاتل به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهض وأصحابه إلى تخوم الجزيرة التي تقابل الرومان، والمنافقون يريدون جلب الروم إلى داخل المدينة أو على تخومها حتى يحاربوا الإسلام من الداخل، ولذلك فمسجد الضرار جزء من معركة الروم كما هي فن من فنون المنافقين الخبيثة، ثمّ إن الله قد كشف لرسوله صلى الله عليه وسلم أمر هذا المسجد بعد قفلته من تبوك، قريباً من يوم أو يومين قبل وصوله المدينة، فكان هدم المسجد ثمرة ربانية أعطيت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأصحابه بعد طاعة النفير إلى تبوك، وهذه سنة الله مع الطائعين، يهديهم ربهم بإيمانهم، ويعلمهم الخير لهم وهم في سبيل الطاعة، فالهداية لسبل الخير لها مواطن، فيها يتعرض المؤمنين لما يصلحهم، وهذا الذي يقال له هداية التوفيق، فإن المرء لا يدركها حتى يعرض نفسه لمواطنها، ويصلح قلبه ليكون محطة ملائمة لها، وهكذا كما أن الله كشف بغزوة تبوك صفات المنافقين وأقوالهم وأعمالهم، كذلك كشف له خططهم وأماكنهم، ووصول قوة الإسلام إلى مرتبة انتكاسة الكفر إلى هذا الكيد الباطني الخبيث يدل على مقدار نعمة الله على رسوله والمؤمنين، وحين ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعانيه المؤمنون من الوسوسة في الصلاة قال: الحمد لله الذي ردّ كيده إلى الوسوسة، وبهذا يظهر الفرق بين تعامل الشيطان مع المجاهدين وتعامله مع غيرهم، فإن جماعات الفتنة والبدعة، وجماعات الجهل وترك الجهاد لا يأبه لهم الشيطان، بل ربنا رغب أولياء الشيطان بوجودهم، فهم لا يبذلون فيهم الكثير من الجهد، لكن أمرهم مع الجهاد وأهله أمر عظيم من الكيد والحرب، فأنت تجد كيد الليل والنهار ضدهم، وربما يكون الرجل الواحد منهم، أو الفئة القليلة لكن تجتمع الدول عليه، وما ذلك إلا لأن الشيطان وجنده يدركون أن أرواحهم زائلة مع وجود هذا الصنف من المؤمنين.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٠٣