بقوله تعالى هذا أخذ أهل العلم فضيلة الأماكن العتيقة في الخير، وأنها مقدمة على المحدثة، ولذلك سمي المسجد الحرام بالبيت العتيق، فما كان في معناه كان مقدماً في فضيلته.
﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين﴾
يقرر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأتباعه كذلك أن المسجد الذي كان بنيانه حين بني على تقوى الله تعالى ووقوع رضوانه سبحانه وتعالى خير من مسجد الضرار الذي بني على شفير حفرة من حفر جهنم فانهار فيها، وهذا فيه بيان أن مسجد التقوى والرضوان هما المحفوظان من الهلاك والفساد، فالله يأمر بحفظها كما قال الله تعالى عن المسجد الحرام ((طهر بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود))، وهذا تطهير مادي ومعنوي، ولذلك كان ابراهيم واسماعيل عليها السلام أول من عملا في خدمة المسجد، وهذا شرف لمن سلك سبيلهما عليهما السلام.
وقوله تعالى ((أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار بها في نار جهنم)) هو ما فعله الحبيب المصطفى من ارسال صحابيين لمسجد الضرار وأمرهما بحرقه وتفريق من أقام فيه، وهذا من الأصول، أن من حكم الله عليه قدراً بالفساد فالمسلمون مأمورون بذلك كقوله تعالى ((فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض)) فهذا حكم قدري، وهو كذلك حكم شرعي، إذ مما يؤمر به المسلم هو حفظ وتنمية وإدامة ما فيه نفع للناس، وهو مأمور كذلك فإفساد واهلاك ما فيه ضرر ومفسدة، وكذلك قوله تعالى ((يمحق الله الربا)) فهذا حكم قدري وهو حكم شرعي كذلك يؤخذ من هذه الآية ومن غيرها كقوله تعالى ((يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله))، ويفرق هنا ما بينه الله حكماً قدرياً، وما بينه خبراً قدرياً، فمثال الخبر القدري قوله صلى الله عليه وسلم عندما سئل عن أمارات الساعة فقال:- ((إذا ولدت الأمة ربتها، ورأيت الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان)) فهذه لا يستفاد منها حكم شرعي على الصحيح، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم ((تصالحون الروم صلحاً آمناً فتغزون قوماً))، فهذه أخبار لا يستفاد منها الأحكام الشرعية، أما ما كان حكماً قدرياً قدّره الله على فعل من الأفعال فهذا يقال له ((أفعال الله))، وهي دليل شرعي، يستفاد هذا من هذه الآية () أمن أسس بنيانه ... )) ومن استدلال حبر الأمة ابن عباس على حكم اللواط، فإنه حكم فيهم ما فعله الله في قوم لوط، وقد غلط بعض المعاصرين في الاستدلال بالأخبار القدرية على الأحكام الشرعية، ووقع بسبب ما قالوه فساد عظيم.
وفي هذه الآية دليل أن الأصل يلحق الشيء ويدركه، فما كان أصله خير لحق به الخير ولو آجلاً، وما كان أصله الفساد لحقه الفساد، فليحذر المرء من بناء أموره على الشر، فالأصول في الأنساب والبيوت والتجارات والأموال لها أثر، فالمطعم الحرام يلحق صاحبه، وأصول المرأة تدركها مهما خفيت، وعماد البيوت، كل هذه وغيرها يجب على المتقين مراعاة أصلها فإن ما كان أصله فاسداً لحق به يوماً وأضره، وما كان أصله صالحاً لحق به ونفعه، وهذا الأمر من قبيل الفضل والتذكير والإحسان، وإلا فإن الصحابة رضي الله عنهم هم أولاد المشركين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.
((لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم))