تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثمّ إن مما ينبغي مراعاته عند الترجيح بين الإحراق والتدمير أو التحويل، هو النظر إلى تعلق الآخرين به، فإن إزالة الشيء الذي فيه تعلق للقلوب على معنى معين يصعب ازالة هذا المعنى إلا بإزالة الصورة فهذا يتعين فيه التدمير والإزالة خاصة ما كان في بقائه تهييج للنفوس على معاني باطلة إن رأوه أو حضروه، وهذا المعنى هو الذي حرم من أجله الشرب في أواني الخمر عند أهل الجاهلية كالنقير والدباء والختم والمزفت، فهذه أواني كانت مخصوصة للخمر عندهم، فلما حرم الخمر، حرّم الشرب فيها ولو كان شرب الماء، لما في بقائها تهييج للنفوس التي استمرأت شرب الخمر للخمر، فلما ذهب هذا عاد الأمر إلى الحل ونسخ التحريم.

وكذلك ينبغي مراعاة التاريخ القديم، فإن بعض الأماكن التي حولها أهل الإسلام إلى أماكن طاعة في زمن عزة الإسلام وقوته حصل فيها الخير، لكن لما ضعف شأن المسلمين في هذه البلاد عاد أهل الجاهلية والشرك بالمطالبة لإحياء هذه الأماكن على معنى الشرك التي كانت عليه أصلاً، فكان في ابقائها وتحويلها خير في الحال لكنه شر في المآل ولو أزيلت لكان في ذلك قطع لهم من هذا الشر.

وحاصل الأمر أن أمر الإزالة والتدمير والتحريق اجتهادي يعود إلى نفس المجتهد في تقدير ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين. هذا مع بيان أن التغيير والتبديل فيه معنى الإزالة في بعض الوجوه لا في كلها، فإن هناك أماكن لا يمكن تحويلها إلا بإزالتها بالكلية حتى تقوم على أمر جديد رشيد.

﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾

هذه تبين أن مسجد الضرار كان فيه منافسة لمسجد قباء، فصلاة النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد الضرار فيه نوع تفريغ لخير هذا المسجد، ولذلك أمر أن يقوم في مسجد التقوى بدل أن يقوم في مسجد الضرار، فلو أن الأمر لم يكن فيه منافسة، ولا تعطيل لبعض الخير في مسجد التقوى لما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه))، فإذاً هو مدافعة بين مسجدين، ومن هو الأحق بالإقامة والصلاة فيه؟!

﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾

يمدح الله تعالى أهل مسجد التقوى، سواء كان مسجده الشريف أم مسجد قباء، وهذا مدح لأصحابه رضي الله عنهم، وفي هذا دليل أن الأماكن تمدح بأمرين؛ بما بنيت له ابتداءً من الخير والتقوى والدين، وبما فيها من الرجال الصالحين وأعمالهم، فقد يبنى المسجد على التقوى ثم يصير أهله إلى غيرها، كما حصل للمسجد الحرام، فإنه بناء ابراهيم وابنه اسماعيل عليهما السلام، ثم غلب عليه أهل الشرك، وصار مأوى لأصنام أهل الجاهلية، وقامت فيه أعمال الشرك، إذ لم تكن صلاتهم إلا مكاءً وتصدية كما قال تعالى ((وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون))، وهذا كذلك يجعل الحفاظ على أماكن التقوى والصلاح واجباً من واجبات الدين، فإن مسجد التقوى من الواجب منع أهل الباطل من افساده، كما أن الأمر في دار الإسلام لا يجوز أن تتحول إلى دار كفر، بل يجب منع ذلك، لأن أماكن الطاعة التي أقامها أصحابها فيها فضل ينبغي الحفاظ عليه.

﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٠١