تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المسجد الذي أسس على التقوى في سياق هذه الآية مع قصة مسجد الضرار هو مسجد قباء، مع ورود أحاديث تبين أن هذه الآية شاملة لمسجده الشريف، ولا تعارض بين الأمرين، لأن النزول قد يتكرر، وقد يشمل اللفظ الواحد هذين الأمرين، وكون أن هذه الآية نزلت في مسجد قباء لأن الذين بنوا مسجد الضرار إنما بنوه بجانب مسجد قباء كما جاء في الأحاديث، ولهذا جاء الأمر الإلهي بالحض على الصلاة في المسجد العتيق الذي تحقق بناؤه على التقوى، وأن الذين فيه رجال أهل طهارة وتطهر، والله يحب المطهرين.

﴿لا تقم فيه أبداً﴾

هذا هو الواجب الأول مع هذه المساجد التي تبنى على الضرار والكفر وتفريق المؤمنين واتخاذها مراصد لحرب الإسلام والمسلمين، وهو الواجب الذي على المسلمين اتباعه في كل مكان في معناها من المؤسسات والجماعات والفئات، فمن الكبائر والمعاصي أن يلتحق المسلم بهذه الهياكل والأسماء، بل يجب هجرانها والأمر بهجرانها، والتحذير منها، والآية تدل على النهي المؤبد، وهذا عند بعض أهل الأصول لا نسخ فيه، ومعنى ذلك أنّه لا يجوز القول بتنقيتها من علل الشر التي قامت عليها ثم الصلاة والإقامة فيها، لأن الأصل معتبر، وهذا الأصل يؤثر في الشيء ما بقي، كما أن الذاكرة التي يعرفها الناس عنها محفوظة، ولها أثر في النفوس، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحراقه وإزالته.

وهناك مبحث في هذه المسألة عند أهل العلم وهو حرق وافساد أماكن المعصية مع ما في افسادها وتدميرها من تدمير مال محترم كالبناء، وبعض ما فيها من مال شرعي مصان، فالصحيح أن تدميرها جائز شرعاً، ويستدل لها بهذه الموقعة من مسجد الضرار وكما سيأتي في قوله تعالى ((أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم)) وقد فعل ذلك الصحابة المقتدى بهم، فالفاروق رضي الله عنه حرّق خمارة يهودي، كان صاحبها يتخذها لتجارة الخمر، ومأوى للشاربين، وقد شرح هذه المسألة ابن القيم في كتابه ((الطرق الحكمية)) فليرجع إليه، وإذا كان الشارع قد أجاز تحريق وإفساد أماكن السوء عقوبة لأصحابها فكيف إذا كانت هذه الأماكن قد أقيمت للصد عن سبيل الله تعالى، وأنشأت لمحاربة دين الله تعالى، ونشر الرذيلة؟!

يزعم الجهلة أن هذه أموال الأئمة ولا يجوز افسادها واهلاكها، مع أن هذه الأموال في الحقيقة تصرف لتدمير الأمة واضعافها وصرفها عن مهمتها الربانية التي أخرجها من أجلها، ولذلك فلا يبكي على افساد هذه الأموال وتحريقها إلا جاهل أو ضال.

لكن هل يجوز أن تحوّ ل أماكن المعصية إلى أماكن طاعة، أم أن هذا لا يجوز أبداً لأمر الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن لا يقوم في مسجد الضرار أبداً؟ ... فالجواب والله أعلم أن هذا لا يجوز، بل هو الأفضل للمرء إن أمن أموراً هي التي منعت تحويل مسجد الضرار إلى مسجد صلاح وتقوى وإيمان؟ ... فمسجد الضرار هذا ((أي مسجد أي عامر الراهب)) أقيم محادة لمسجد المتطهرين من أهل قباء، فهو مجاور له، فإصلاحه في هذه الحال بعيد وغير متحقق، ولذلك أمر بهجره وتحريقه، فإذا كان يمكن اصلاح المكان ليكون بيت طاعة ومكان خير فإن في ذلك تحقيق لمقاصد الإسلام. وفي التحريق معنى ينبغي على الناظر مراعاته وهو أن فيه احراق قلوب المنافقين، وتبكيتهم، وإملاء قلوبهم الغيظ والحزن والألم، وهذا مقصد شرعي، فإن كان هذا يحصل في كبار الكفار والمنافقين فإن المصير إلى التحريق هو الأفضل.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٥٠٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٥٠٠