اضاءة:-
تذكر روايات مسجد الضرار أن زعيم الكفر والنفاق الذي دعا إلى بنائه هو أبو عامر الراهب ((وهو والد الصحابي الجليل حنظلة الغسيل، وله ولدان آخران هما كذلك من خيار الصحابة أحدهما اسمه صيفي وآخر))، والذي سمّي بالفاسق، وقد ذكر من سيرته أنه من الخزرج، لكنه تنصّر، وقرأ علوم أهل الكتاب، وكان فيه عبادة في الجاهلية على دينه، وذكر عنه أنه كان له كيد غريب في غزوة أحد، ذلك أنه حفر حفائر فيما بين الصفين، وقد وقع رسول الله صلى الله عليه وسلم في احداها، وأصيب فجرح وجهه وكسرت رباعيته اليمنى والسفلى وشج رأسه صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل أن هذا الكيد غير عادي، وأن صاحبه له مراس وقراءة وتدبر، فهو كبير من كبار القوم، وقارئ للكتب، وله مجاهدات في عبادته الشركية، فهذا الخطر- وهو خطر كيد مساجد الضرار والمؤسسات والجماعات البديلة والشخصيات الموازية- صناعة لا يرقاها إلا الكبار من الشيطاين، بل هي أمتن ما تفرزه هذه العقول التي تمارس الكيد والخداع وتفكر فيهما ضد المسلمين، وبالتالي فالوعي على هذه المكائد، والوقوف أمامها بتدبر إيماني محكم لا يقوم له إلا فئة تملك العقل والهداية والبصيرة والحكمة في إدارة هذه المعركة الخطيرة، أما إذا تولاها الصغار والضعاف فإن السنن ستؤدي إلى هزيمة الضعفاء، وواقعنا يشهد لهذا، فإن الغزو الصليبي لما اجتاح بلادنا ثم أدرك أن زواله لابدّ منه، أخرج آخر كيده وهو انشاء قيادات عميلة ليوسد لها أمر خلافته بعد خروجه، وقد كان، وفي بلاد أخرى قذف برجاله قبل رحيله إلى مواقع القيادة في داخل الصفوف حتى صاروا هم الوارثين له، لا الأصلاء الذين حاربوه وقتلوه.
﴿وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾
كعادة المنافقين يتسترون بالحلف والكلام الظاهر الحسن، والحقيقة القرآنية تكشفهم وتبطل كل كيدهم، فهم يزعمون إرادة الحسنى، أي العمل الصالح، والله سبحانه وتعالى يكذبهم، وهذا كاف عند المؤمنين لتكذيبهم، وعدم الثقة بهم، لكن المشلكة في الغفلة التي تصيب المسلمين دوماً حيث يتوهمون توبة الشيطان، وتغير المنافقين، وانقلاب الذئاب حملاناً، وفي كل مرة تقع الفاقرة، ويكون اللدغ، وتأبى الأمة أن ترتدع أو تتوب، فهي ما زالت كأبيها آدم تصدق إن حلف الشيطان لها، وتظن أن وراء هذه الكلمات حقائق الصدق، وإني لأجزم لو أن طاغوتاً من طواغيت العصر في زماننا ممن هو أعتى كفراً وأشد اجراماً من فرعون خرج للناس فقرأ عليهم آيات من القرآن، وتصنع البكاء للحظة، وصرخ فيهم صراخ النخوة والشجاعة والإيمان لوجدت الناس يتساقطون على رجليه، ولسارعت الجماعات الإسلامية إلى تأييده واتخاذه إماماً، وهذا الذي أقوله ليس ضرباً من الخيال، بل هو الواقع، وهو التاريخ الذي يتجدد، وقد صدق من قال في هذا الباب: التاريخ يعيد نفسه .. لكن على الأغبياء.
﴿لا تقم فيه أبداً لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾