تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأسلوب واحد، والخطة متشابهة لكن الأدوات قد كثرت في زماننا، فهناك مسجد الضرار الذي يبنيه الطاغوت ليدفن فيه، أو يبنيه أبناؤه وأحفاده حتى يجبر الناس على اسم ممدوح يلتصق به فهذا مسجد الشهيد فلان، وهناك جماعة الضرار التي يبذل فيها الكفر بعض ماله ليغطي جرائمه وكفره، فتسقط عنه أحكام الكفر التي يطلقها أهل العلم، وهناك مؤسسات الضرار التي يجمع فيه الكفر مشايخ العلم والفتوى ليجلس إليهم متصدراً وآمراً، ثم ليتخذ منهم متكئاً لجرائمه وخصوماته وحروبه، وهناك صحف الضرار التي تبث الشر والكفر تحت اسم الإسلام المتمدن والمسالم والمحرف، وهكذا فكل ما يقوم من وسائل لخدمة الحق فإن أهل الباطل يسارعون لإيجاد البدائل الموازية ليضعفوا أهل الحق ويشتتون اتحادهم.

في مسجد الضرار هذا كان هناك صلاة وأذان وذكر لله، فعلى المرء أن لا ينسى ذلك، حتى لا يظن ظان أن هناك مسجد في البناء فقط مع خلوه من الطاعات التي تحويها بقية المساجد المؤمنة الصالحة التقية، لكن كان هناك مع هذه الطاعات التي كانت لبث أبخرة الدخان لتمنع رؤية الخفايا والدسائس، ولكن كل هذه الطاعات لم تمنع لحوق اسم الضرار على هذا المسجد ولا حكم الله تعالى فيه.

وأركان هذا المسجد الخبيث هي الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين واتخاذه وكراً لحرب المسلمين، وكل واحدة من هذه الأركان كافية لتسمية المسجد باسم الضرار لا كما زعم بعضهم أنه لا يكون كذلك حتى تجتمع فيه كل هذه الأركان، ولو تفكر هذا القائل في معنى كلامه لما قاله، فهل يعقل أن لا يكون المسجد مسجد ضرار وقد قام على الكفر كمعان الجاهلية من مساجد فرق الباطنية كالقاديانية والاسماعيلية حتى يكون مقصد أصحابه اتخاذه وكراً لمؤامراتهم ضد المسلمين؟! ثمّ إن أغلب كتب الفقه تتحدث عن المساجد الكثيرة لغير ضرورة في بلاد المسلمين بصفتها مساجد ضرار، كما أفتى السيوطي في عامة مساجد القاهرة في زمانه، حيث اتخذها الناس تباهياً، وحصل بسببها قلة اجتماع المسلمين على الصلوات في المسجد الواحد، مع أن أصحابها لم يريدوا بها كفراً.

ما يهم أهل الجهاد في هذا الباب هو ما ستقوم أركان الجاهلية به من بناء تنظيمات موازية ومنافسة لأهل الحق، وهي ترفع اسم الإسلام، وتُلحق بها أسماء اسلامية، كما يلتحق بها بعض السفهاء ممن يسمى بالعلماء، لما يحملون من ألقاب تباع كثيراً في عالمنا اليوم، فتجري على أيديهم أمور الضرار والتفرقة بين المؤمنين، بل قد يصل الأمر إلى القتال والصدام، فيختلط الأمر على الناس، وحينها يفرغ الكفر إلى تنفيذ مآربه في بلاد المسلمين.

من صور الضرار اليوم هو ما تقوم به طوائف الكفر والردة من ضم المساجد إلى حوزتها، واخضاعها لسلطتها حتى تصبح كلها قاسورة لقوانينها وتشريعاتها، بل إن أئمتها وخطباءها لا يكون في وسعهم إلا أن يرتبط رزقهم بعطايا هذه الطوائف المرتدة، ولا يؤذن لهم بقول إلا ما كان خدمة لهذه الطوائف، فتحولت المساجد إلى منابر للدعوة إلى غير الله تعالى، وصارت ألعوبة بيد أهل الشر، ومن وجد من بعض الخير يمنع من الإمامة والخطابة، فلا عجب بعد ذلك أن سقطت هيبة الأئمة والخطباء، إذ كيف يسمع الناس له وقد أمر أن يتحدث عن أهمية نظافة الشوارع في الإسلام، وهو يرى أن أعظم قضايا المسلمين لا يقدر الخطيب أن يتكلم عنها بكلمة، وإن أذن له أن يتكلم فالمأذون فيه أن يبين فضائل عمل الطاغوت في هذا الأمر، بل وشرعيته في دين الله تعالى، بل حدثني من أثق به أن جنود الأمن في بلده يوجبون على أئمة المساجد أن يعملوا عندهم، أي أن يتجسسوا على أهل المسجد، لينقلوا لهم أمزجة الناس، وماذا يقولون، وأقسم لي محدثي- وهو من حملة كتاب الله تعالى- أنه لما رفض هذا قالوا له:- ((لماذا ترفض وقد قبل الكثير غيرك)) فذلك عادت المساجد في هذا الباب وكراً لرصد المؤمنين وصيدهم واتخاذهم هدفاً.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٩٨