فهذه حيلة شر قديمة، وناجحة، وهي توصل إلى الكثير من الأهداف، إن لم تكن كل الأهداف، وربما يتم استدراج السذج- وهو الأغلب- لإدارة هذه الأعمال تحت دعاوى كثيرة، منها ما هو جيد في الشرع كحجة تكثير الخير، ومنها ما هو قائم على الشر ابتداءً كقذف الآخرين من أهل الحق ومحاولة الغائهم، ومجرد وجود آخر على هذا المعنى هو شر لما قاله تعالى ((وتفريقاً بين المؤمنين))، فما يزعمه الجهلة من أن هذا تكثير للخير هو في تسمية القرآن تفريق وشر، وهو سبب الفساد.
هذه المساجد، والتي بناؤها طاعة لله تعالى، جعل الشارع تكثيرا على غير معنى الحاجة تفريقاً وفساداً في الصف المؤمن، ولذلك من فقه العلماء أنهم أوجبوا هدم أي مسجد يبنى قريباً من مسجد آخر من غير حاجة له، لأن بناءه شر يشابه معنى مسجد الضرار الذي هدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يقال إن التكثير على هذا المعنى خير ومشروع، بل يذهب البعض إلى تسمية حكم هذا التكثير مستحب لله تعالى؟!
هذا الحكم الشرعي بإضافة اسم الخير إلى وصف المعصية أي- مسجد الضرار- فقه لا يبنى إلا في نفوس نيرة عاقلة حكيمة، لأن الورع البارد، والفقه الجامد يأبى هذا الاقتران، فكيف يصبح المسجد كفراً؟، وكيف يصبح ضراراً؟، وعلى هذه القاعدة فكيف يصبح طباعة المصحف أو حمله كفراً وضراراً، لكن علياً رضي الله عنه أدرك أن رفع المصحف فوق الرؤوس هو سبيل شر، فلم يقنع به، لكن من معه وقعوا في الخديعة وانطلت عليهم الحيلة، وقد أدرك كذلك أن شعار- إن الحكم إلا لله- هو كلمة حق يراد منها باطل، ولكن الجهلة يتساقطون في النار لظنهم أنها نور يأوون إليه.
إنها قاعدة بناء الشر على اسم الخير، فيبصر الفقيه الأمر فيقرن اسم الخير مع وصف الشر حتى تذهب عن اسم الخير تلك المعاني المرتبطة به في عقول المسلمين ونفوسهم من الاحترام والتقدير.
هذا الأمر العظيم يجعل الأحكام منوطة بالمعاني لا بالأسماء، وبالمحتوى لا بالظاهر، فالأشكال والأسماء لها اعتبار في الشرع والواقع إن كانت تدل على حقائق باطنة، ومعاني توافقها، أما إن كانت الأسماء والأشكال والظواهر خادعة، لا تدل على محتواها، وخاوية من معانيها وحقائقها فهي لا تحمل حكم الاسم الذي علق به، وهذا فقه مضطرد في أبواب الفقه كلها، وفي مسائل الحياة أجمع، لأن الأسماء دلائل، والمقصود هي المعاني والحقائق، والآيتين لما فيهما من الأعمال، ولما بنيت له من المقاصد، فحين تنقلب المعاني إلى أضدادها فإن أحكامها تتغير بحسب المعاني، كما قال أهل العلم عن الاستحالة، لأن الحكم معلق بالوصف كما هو معلوم.
منذ بداية الخلق وكيد الشيطان يقوم على هذه القضية، وهي قضية الأسماء والمعاني، فشجرة المعصية سماها الشيطان لأبينا آدم- شجرة الخلد وملك لا يبلى- واليهود احتالوا على الشحم فأذابوه فصار سمناً فباعوه، وهذا كيد يتكرر في كل قضية، فنابليون لبس الجبة الأزهرية وتسمى باسم محمد، وشكل مجلساً للعلماء ليحكم بالشرع على أهل مصر، ومن قرأ رسائله لأهل مصر لما دخلها كما رواها الجبرتي في تاريخه رأى أن هذه الرسائل هي عينها التي يقولها كل مجرد يكيد لهذه الأمة- فهي عين ما قاله بوش وبلير من غير خرم حرف واحد، وهي نفس الصورة التي قدم فيها قازان لما أراد دخول الشام زمن محمد بن الناصر قلاوون، ومع كل هذه التجارب المكررة بنفس الأسلوب والطريقة إلا أن هذه الحيلة ما زالت تنجح وتؤتي أكلها في المجتمعات الإسلامية، وما أن يرفع الشعار الخادع حتى تركض الجموع الجاهلة إليه، فتلدغ مرة وراء مرة دون أن ترعوي أو تتعلم.