لازم لهذه الأمة ولحركة الجهاد، فيجب عليها أن تتعلم ادارة الصراع معها، أما إن انصرفت إلى مهادنتها اتقاءً لشرها فهي واهمة، وادارة الصراع مع الفتن يعني تحجيمها، ومنع وصول أهل الفتن إلى القيادة، وتقليل لحوق الأغبياء والضعفاء بهم، ومنع استئثارهم لاسم الاسلام ودعوته، هذا مع أن التجارب تدل أن المواجهة قدر لازم، لكن تبقى الحكمة في التوقيت وادارة هذه المواجهة.
- يجب اليقين بأن هذا الدين وعصابته المؤمنة المجاهدة لا يمكن زوالهم، مع التصديق أن الكاذب المخادع، والمنافق الزنديق لابدّ من فضح الله له، فإن المرء مهما يسر فإن الله كاشف سره، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، ومسيرة الجهاد هي أعظم كواشف حقائق الناس، ولذلك فالفارق بين المنافق والمؤمن هو الجهاد كما قال تعالى ((ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم))،ففي هذه القضية هناك جانب قدري فيه يد الرب، فيجب التوكل عليه سبحانه وتعالى.
﴿والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾
المسجد وعاء العمل الإيماني، ومصدر العلم، ومجمع الطاعات، ولكن بقرار خبيث، وتدبير محكم بني مسجد ظاهره ذلك كله، وباطنه الإضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين وإعداداً لاستقبال المحاربين المعاندين لله ولرسوله، وهذا منتهى المكر والخديعة، وإذا كان هذا يمكن أن يكون في ظل اسم المسجد الذي يتخذ للسجود والعبادة فما بالك فيما هو أدنى منه من الأسماء والأعمال؟!
لقد صار المسجد ضراراً، وصار المسجد كفراً، وصار المسجد تفريقاً بين المؤمنين، وصار المسجد وكراً للكيد والتخطيط واستقبال العتاة من كبار المجرمين، ولم يكن للمؤمنين زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كشفه إلا بكشف الله له، وهذه الجرائم المتعددة في اتخاذ هذا المسجد قد تتوزع على هياكل الطاعة في المجتمع المسلم، وقد يتعدد بعضها دون الآخر، ولكن كلها لها حكم واحد وحل واحد وهو هجرانها وجوباً لا مثنوية فيه، وحرقها لمن قدر على ذلك.
هذا الفعل يدل على أن اتقان المكر والخداع لم يكن وليد اليوم، وإنما هو قديم، والذي تطور هو الأدوات في تنفيذ هذا المكر، لكن القاعدة واحدة، والأسلوب هو هو لم يتغير، فنحن نرى مؤسسة اسلامية ناجحة ترعى عملاً اسلامياً من أعمال الطاعات، فيلتف الناس حولها، وتصبح مصدر هداية، ويعمل فيها ما قال الله لموسى وهارون عليهما السلام ((وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً واجعلوا بيوتكم قبلة)) وهذا كله من باب التنظيم والتجميع لتحقيق الأهداف ومحاولة صبغ الجميع صبغة واحدة في عملية تربوية جماعية، فما أن تنجح هذه المؤسسة حتى يسارع الخصوم إلى إنشاء عمل يوازي هذا العمل، ويشابهه، ثم يبدأ بإدارة الأعمال التي نجح فيها هذا العمل الإيماني القائم، فيفترق الناس بين الأمرين القائمين، ويبدأ التنازع، واثارة الفتن، وبث الشائعات حتى تصل الأمور إلى المواجهة والمحاربة، ومما يذكر في التاريخ أن النصارى المثلثين المشركين لما رأوا حب الناس للنصارى الموحدين بعد أن بدأ آلة الامبراطورية الرومانية في اضطهادهم بعد أن دخل الامبراطور قسطنطين وأمة هيلانة النصرانية الشركية فاضطر الموحدون إلى الهروب إلى القفار والجبال متخذين الرهبنة عملاً أجبروا عليه أمام قتلهم وتعذيبهم، فقام النصارى المثلثون بعمل رهبنة موازية حتى يتم جلب تعاطف الناس إليهم كما حصل التعاطف مع الموحدين.