تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يحتج على كل هذه القرارات بأدلة صريحة صحيحة لا شبهة فيها، لكن المحيط الذي نعيش فيه ليس محيطاً سليماً ليتقبل التطبيق التام لهذه القرارات، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يراقب ردّات فعل الآخر لو أنه قتل المنافقين، إذ سيقولون ((إن محمداً يقتل أصحابه))،لأن هذا النوع من البشر له ظاهر متلون خادع حتى على أفراد الصف المؤمن.

هذه القاعدة، وهي مراقبة ردات فعل الآخرين على الفعل الذي يقوم ضد ((النفاق)) ومؤسساته ورجاله تعمل في زمن النبوة، والقائد هو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يوحى إليه، والمؤمنون يقرؤون قوله تعالى ((وما آتاكم الرسول فخذوه)) فماذا يقال في زماننا هذا، حيث الجهل بالدين، وذهاب العقل المستنير، وغلبة قواعد الجاهلية من الاصطفاف على أساس القبيلة أو الجماعة والتنظيم أو البلد والقطر؟!

- من الواجب لحماية المسيرة رصد التحركات في بدايتها، فإن معالجة هذه الظواهر النفاقية قبل استفحالها خير من تركها حتى تتضخم وتكبر وتصبح أكبر من المعالجة، وهذا ما شكى منه علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما طالبه الصحابة رضي الله عنهم بالاقتصاص من قتلة عثمان، فشكى أن أمر هؤلاء صار أكبر من أن يعالج في هذا الظرف، مع أن هذا كذلك لا يمكن العمل به إلا في ظروف تكون حركة الجهاد قد قوي شأنها وبسطت سلطانها ولو جزئياً حتى تستطيع أخذ زمام المعالجة.

- ... يجب العمل بقوله تعالى ((فقاتلوا أئمة الكفر))،فإن هذه الظواهر يلتحق بها الكثير من المغفلين والجاهلين فيكون الانشغال بهؤلاء فتنة كبرى، لكن لو ضرب الأئمة الكبار الخبثاء لكان في ذهابهم تفرق لهذه الجموع، لأنهم هم أساس البلاء وقادة الشر، وهم من لهم الصلات بدوائر الكفر التي تمكر بالمسلمين، فهناك تجارب تدل على أن القضاء على الخبثاء الكبار والأئمة العتاة تجعل اذهاب قوة هذه التجمعات المنافقة سهل ميسور، وتلاشيها محقق.

- يجب العمل بقوله صلى الله عليه وسلم: ((الحرب خدعة)) فإن هذه معركة أغلب حروبها خفية غير معلنة، فلا ينبغي أن يصرخ أهل الحق بكل عمل يعملونه فإنهم لو فعلوا ذلك لكانوا سذّج لا يستحقون الوراثة، بل عليهم في هذه المعركة أن يكتموا أغلبها، فإن السكوت يسعهم، ولهم في قاعدة ((إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب)) باب من أبواب الحكمة التي تعينهم في عملهم.

- ... يجب الرصد والمتابعة واحياء فقه ((المعدلين))،وهم طائفة كان يتخذهم القضاة في الأحياء والقرى والقبائل لتعديل الشهود وتجريحهم، فهؤلاء يتابعون حركة الأشخاص وأصولهم الفكرية ومنابتهم التنظيمية، فإن خروج الرجل من الظلام مؤذن بالشك والقاء الأسئلة، وكذلك مراقبة التحولات السريعة في الأفكار، فإن انقلاب المرء من المعصية إلى الطاعة، وهو مقدم فيها (أي المعصية أو البدعة أو الزندقة) ينبغي أن يعمل فيه فقه الصديق مع المرتدين، أي أن يوقفوا حتى ينقوا، كما هو شأن ((الجلالة)) أي الدابة التي تأكل العذرة، فإن صاحبها يتركها حتى تنقى ليحل أكلها، وأما ما نراه من التحول المفاجئ ثم التصدّر لبعضهم يشي بكثير من الغرابة، بل نرى أن أغلبهم حمل كثيراً من البدع معه، والامثلة كثيرة، ولذلك كان من فقه الفاروق إذا رأى رجلاً عليم اللسان حبسه عنده حتى يمتحنه كما حدث مع الأحنف بن قيس.

مع صبغة الله الصمد · الصفحة ٤٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مع صبغة الله الصمدص ٤٩٤